أحد الثالوث الأقدس

You are currently viewing أحد الثالوث الأقدس

الخوري نسيم قسطون:

في ختام إنجيل متّى (متى 28: 16-20)، لا يسلّم يسوع تلاميذه مهمّة فحسب، بل يفتح أمامهم قلب الإيمان المسيحي كلّه حين يقول: «عمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس».

هنا لا نتوقّف أمام صيغة ليتورجيّة فقط، بل أمام الإعلان الأوضح عن الله كما كشفه المسيح: الله واحد، ولكنّه ليس وحدة منغلقة أو صامتة، بل شركة حياة ومحبّة.

الإيمان بالثالوث الأقدس لا يعني أبدًا الإيمان بثلاثة آلهة، كما لا يعني أنّ الله يظهر أحيانًا كآب، وأحيانًا كابن، وأحيانًا كروح قدس كأنّه يبدّل أقنعته. الكنيسة تؤمن بإله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، لكن الآب ليس الابن، والابن ليس الروح القدس، والروح القدس ليس الآب. التمايز حقيقي، والوحدة كاملة؛ لا انقسام في الجوهر، ولا خلط بين الأقانيم.

الآب هو المصدر، منه كل عطيّة وكل دعوة إلى الحياة. ليس أبًا بمعنى بيولوجي أو بشري، بل لأنّه أصل المحبّة وواهب الوجود. والابن هو كلمة الله الأزلي، الذي به عرفنا الآب لا من بعيد بل من الداخل، لأنّ يسوع لم يكتفِ بالكلام عن الله، بل أظهره في وجهه، وفي رحمته، وفي بذله على الصليب، وفي قيامته. أمّا الروح القدس فهو الذي يجعل ما أعلنه الابن حيًّا فينا، فينير القلب، ويقوّي الإرادة، ويحوّل الإيمان من فكرة إلى حياة.

لذلك تأتي المعموديّة «باسم» لا «بأسماء». فالداخل إلى المعموديّة لا ينتمي إلى ثلاث قوى مختلفة، بل يدخل في عهد واحد مع الله الواحد، ويُغمر في حياته. المعموديّة ليست مجرّد انضمام إلى جماعة دينيّة، بل ولادة جديدة تجعل الإنسان ابنًا للآب، متحدًا بالابن، ومسكونًا بالروح القدس. من هنا نفهم أنّ الثالوث ليس موضوعًا نظريًا للجدل، بل سرًّا نعيشه: نصلّي إلى الآب، بالمسيح، في الروح القدس.

وإذا كان بعض التلاميذ قد سجدوا وفي داخلهم شيء من التردّد، فهذا يعني أنّ سرّ الله لا يُمتلك بالعقل وحده، بل يُستقبل بالسجود والثقة. فنحن لا نشرح الثالوث كما نشرح مسألة حسابيّة، بل نقترب منه كسرّ يفوقنا ويغذّينا في آن. كلّما دخل الإنسان في المحبّة الصادقة، والغفران، والشركة، اقترب أكثر من بصمة الثالوث في حياته.

لهذا ينتهي النصّ بوعدٍ يبدّد الخوف: المسيح باقٍ مع كنيسته. فالله الذي كشف ذاته كثالوث ليس إلهًا بعيدًا، بل إلهًا يقترب، يدعو، يرافق، ويجعل من حياة المؤمن شهادة حيّة لحضوره. هكذا يصير الثالوث الأقدس ليس عقيدة نحفظها فقط، بل حياة ندخل فيها وننمو بها كلّ يوم.

اترك تعليقاً