أحد الكهنة الراقدين

You are currently viewing أحد الكهنة الراقدين

الخوري نسيم قسطون:

مع بداية الأسابيع الاستعدادية للصوم، نحتفي بذكرى الكهنة الراقدين الذين سبقونا بالإيمان. هؤلاء الرجال، وإن سمعنا عن هفواتهم أحياناً، حملوا في أغلب مسيرتهم صفات الوكيل الأمين الذي أشار إليه الإنجيل. فالحياة المسيحية، في جوهرها، هي وكالة مقدسة.

يتجلّى التكليف في وعي الإنسان لمهمته الأساسية: أن يكون شريكاً للمسيح في نشر البشارة. إنه نداء لا يخصّ الكهنة وحدهم، بل ينبع من سرّ العماد الذي يمنح كل مؤمن كهنوتاً عاماً ليكون نوراً في العالم. أمّا الأمانة فهي الالتزام بهذا التكليف بالقول والفكر والعمل، مع احترام حدود الدعوة التي قبلها. فهناك من عمل الصالحات في الخفاء، مؤثراً عدالة السماء على رضى الناس، وحتى على الدفاع عن ذاته أمام الاتهامات.

غير أن الأمانة وحدها قد تتعثّر دون حكمة. فالحكمة هي التي تحفظ الوكيل من إهمال تكليفه أو تجاوز حدوده، وهي التي تساعده على تنظيم عطائه في خضم المهام الكثيرة، كي لا يقع في فخ التقصير. هذا المثل الإنجيلي يهزّ كياننا ويحرّضنا على فحص الضمير: هل نحن مدركون حقاً للنعم الجسدية والروحية التي أغدقها الله علينا؟ وهل نعتبر أن ما لدينا هو فائض ينبغي مشاركته مع الآخرين؟

في زمن تكثر فيه الشكوى والطمع، يدعونا هذا التأمل إلى العرفان والشكر، وإلى عيش وكالتنا بروح جديدة. فكما تمّم الكهنة الراقدون وكالتهم بأساليب تلاءمت مع زمانهم، علينا نحن أن نشهد للإيمان بطرق تتوافق مع عصرنا، دون أن نبتعد عن الجوهر: إظهار صورة الله للناس. الخلاصة تكمن في أن سعادتنا لا ينبغي أن تتوقف على مدح الناس ولا حزننا على رأيهم، بل على الطمأنينة النابعة من كون حياتنا تعبيراً عن سلام الله في داخلنا. فلنصلِّ من أجل الراقدين، ونتعلّم من سيرتهم أن نمضي في درب الوكالة الأمينة بثبات وحكمة.

اترك تعليقاً