أحد زيارة العذراء لأليصابات

الخوري نسيم قسطون:

تَحْمِلُ زِيَارَةُ العَذرَاءِ مَرْيَم لِنَسِيبَتِهَا أَلِيصَابَاتِ (لو 1: 39-45) فِي طَيَّاتِهَا دَعْوَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ لِكَي يُرَاجِعَ جَوْهَرَ حَيَاتِهِ وَعَلاقَاتِهِ. فَمَرْيَمُ، وَهِيَ تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَةَ، لَمْ تَنْطَوِ عَلَى ذَاتِهَا، وَلَمْ تَشْغَلْهَا المَظَاهِرُ أَوِ الهَدَايَا المَادِّيَّةُ، بَلِ انْطَلَقَتْ مُسْرِعَةً نَحْوَ مَنْ هُمْ بِحاجَةٍ إِلَيْهَا. لَمْ تَكُنْ حَامِلَةً لِمُجَرَّدِ بُشْرَى، بَلْ كَانَتْ نَفْسُهَا وَسِيلَةً لِنَقْلِ حُضُورِ اللهِ، فَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ وَجَنِينُهَا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ بِسَبَبِ هَذَا اللِّقَاءِ.

هَذَا المَشْهَدُ يُلْقِي الضَّوْءَ عَلَى حَقِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ: فَاللِّقَاءُ الحَقِيقِيُّ مَعَ اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يُثْمِرَ حَرَكَةً نَحْوَ الآخَرِ. لَقَدْ كَانَتْ مَرْيَمُ تِلْمِيذَةً حَقِيقِيَّةً، لِأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ لَمْ تُنْتِجْ فِيهَا فَخْراً أَوِ انْكِفَاءً، بَلْ زَادَتْهَا تَوَاضُعاً وَسَعْيَاً لِخِدْمَةِ الغَيْرِ. هِيَ لَمْ تَتَرَدَّدْ أَمَامَ مَشَقَّةِ الطَّرِيقِ أَوْ بُعْدِ المَسَافَةِ، لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ الرَّبَّ الَّذِي حَمَلَتْهُ هُوَ مَنْ يُشَكِّلُ رِسَالَتَهَا وَيُيَسِّرُ دَرَبَهَا.

وَهَاهُنَا نَجِدُ نَفْسَنَا أَمَامَ مِرْآةٍ رُوحِيَّةٍ: مَاذَا نَحْمِلُ فِي دَاخِلِنَا إِلَى مَنْ نَلْتَقِيهِم؟ هَلْ نَحْمِلُ مَحَبَّةً وَمَغْفِرَةً وَسَلَاماً، أَمْ نَحْمِلُ هُمُوماً وَضَغَائِنَ وَانْشِغَالاً بِالمَظَاهِرِ؟ فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ تَحُولُ التَّقَابُلَاتُ الإِجْتِمَاعِيَّةُ إِلَى مُجَرَّدِ تِبَادُلٍ لِلمُجَامَلَاتِ أَوِ الهَدَايَا، بَيْنَمَا نَنْسَى أَنَّ أَثْمَنَ مَا نُمْكِنُ أَنْ نَقَدِّمَهُ هُوَ حُضُورُنَا الوَاعِي، وَقَلْبُنَا المُصْغِي، وَرُوحُنَا المُشَارِكَة.

إِنَّنَا نَتَذَكَّرُ أَنَّنَا، مِنْ خِلَالِ المَعْمُودِيَّةِ وَالإِفْخَارِسْتِيَّا، نَصِيرُ بُيُوتَ قُرْبَانٍ مُتَنَقِّلَةً، نَحْمِلُ يَسُوعَ فِي قُلُوبِنَا. لِهَذَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا: هَلْ يَتَغَيَّرُ سُلُوكُنَا بِسَبَبِ هَذَا الحُضُورِ؟ هَلْ نُصْبِحُ أَدَوَاتِ نِعْمَةٍ لِمَنْ حَوْلَنَا، أَمْ أَنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ يَبْقَى حَبِيساً دَاخِلَنَا دُونَ أَنْ يُثْمِرَ فِي العَطَاءِ؟

لَقَدْ جَسَّدَتْ مَرْيَمُ بِسُلُوكِهَا مَا يَعْنِيهِ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ خَادِماً لِلْكَلِمَةِ. لَمْ تَكْتَفِ بِاسْتِقْبَالِ النِّعْمَةِ، بَلْ حَوَّلَتْهَا إِلَى فِعْلِ مَحَبَّةٍ مُتَجَرِّدٍ. وَهَكَذَا نَفْهَمُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعْتَقَدٍ، بَلْ هُوَ حَيَاةٌ تَتَحَوَّلُ بِفِعْلِ النِّعْمَةِ، فَتُبَادِرُ إِلَى الخِدْمَةِ وَتُقَدِّمُ ذَاتَهَا قُرْبَاناً مَعَ الَّذِي حَمَلَتْهُ. فَلْنَسْعَ إِذَنْ أَنْ نَكُونَ عَلَى مِثَالِهَا: حَامِلِينَ اللهَ فِي قُلُوبِنَا، مُنْطَلِقِينَ بِفَرَحٍ نَحْوَ إِخْوَتِنَا، مُذَكِّرِينَ أَنْفُسَنَا أَنَّ أَعْظَمَ هَدِيَّةٍ نَقْدِمُهَا هِيَ نَفْسُ حُضُورِ الرَّبِّ الَّذِي يَسْكُنُ فِينَا.

اترك تعليقاً