الخوري نسيم قسطون:
في بداية أسبوع الآلام، نقف أمام مشهد التينة التي يبست (متّى 21: 17-27)، لا لنقرأ قصّة عقاب، بل لنكتشف مرآة تعكس حقيقة وجودنا. كم من الأوراق نخفي خلفها جفافًا قاتلًا؟ كم من الظلال نمدّها على الآخرين بينما قلوبنا عاجزة عن دفء المحبّة؟ نشبّه أنفسنا بتلك الشجرة، وقد تزيّنا بمظاهر خادعة: بيوت فسيحة، ومناصب مرموقة، وأرصدة تنمو، ولكن أين ثمارنا الروحيّة؟ أين العطاء الذي يُشبع الجوعان، والحنان الذي يضمّ الكسران، والكلمة التي تمسح دمعة الحيران؟ كثيرًا ما نكون ملجأً للزراقط والدبابير، نلسع من يقترب منا بالكبرياء، بالحقد، بالضغينة، أو حتّى بالإهمال القاتل واللامبالاة التي تجرح بصمت.
وفي خضمّ هذه الصورة القاحلة، تبرق عبارة عجيبة: “جاع يسوع”. إلهنا يجوع! ليس جوعًا عابرًا، بل جوعًا عميقًا إلينا. هو الذي لا يحتاج، يختار أن يحتاج. يتجسّد ويبكي ويعطش ويجوع، لا لضعف فيه، بل ليحتضن ضعفنا. في عشقٍ إلهيٍّ مذهل، يريد أن “يأكلنا” بحبّه، أن يتّحد بنا حتى الثمالة. ولكنّه حين يقترب منا، يجد في كثير من الأحيان يبسًا وقساوة. جذورنا تعلّقت بمياه الأرض الآسنة، فنسينا ينبوع الماء الحيّ. صرنا كالأشجار، أخذنا منها صلابتها دون كرمها، فأبينا أن نمدّ ظلّنا على المرهق، وبخلنا على الجائع بخبزنا، وعلى العريان بغصنٍ يابس.
وهذا اليَبَس ليس سوى وجه من وجوه أزمتنا الكبرى: أزمة الإيمان والشكّ. نطلب من الله أن يتدخّل في حياتنا، ولكن وفق شروطنا وتصوّراتنا. نريد إلهًا على مقاسنا: غضوبًا على أعدائنا، رحيمًا بنا، منتقمًا لنا، متساهلاً مع خطايانا. نريد “مسيحًا” على ذوقنا، وعندما يأتي الربّ بصورة مغايرة لآمالنا، نسأله بتحدٍّ: “بأي سلطان تفعل هذا؟”. نعبد الله بالقول، ولكن أفعالنا تناقض الإيمان، لأننا نبتغي أن يكون هو على صورتنا، لا أن نكون نحن على مثاله.
هذه الهزّة في الإيمان هي التي تودي بنا إلى الجفاف. فعند أول منعطف، وأول ألم، وأول خوف، يتسلّل الشكّ إلى نفوسنا من مساحة ضئيلة، فيبعدنا عن الثقة بالله. ولكن الربّ أعطانا المفتاح: الصلاة. لا صلاة ترديد الكلمات كفرضٍ نؤدّيه، بل صلاة هي حياة نعيشها، هي حوار دائم مع الحبيب. فإلهنا شخص حيّ، ليس صنمًا نهرع إليه في المواسم، بل نديم نسرّ إليه بهمومنا، وصديق نبثّه حميميّاتنا. حين تكون علاقتنا هكذا، لا يضعف إيماننا مهما تلبدّت غيوم الحياة.
في النهاية، ليس المطلوب منا أن ننقل جبالاً أو نيبس أشجارًا. المطلوب الأجلّ والأعمق: أن نكون يدًا تعين إنسانًا على الانتقال من اليأس إلى الرجاء، من الجفاف إلى الارتواء. أن نسمح للبستانيّ الإلهي أن “يشحّلنا”، أي يهذبنا ويحيينا، فنثمر ثمار الخير والجمال والمحبّة. الربّ يمرّ يوميًا بقربنا، أحيانًا في جائع، وأحيانًا في عطشان، وأحيانًا في سجين أو مريض. هناك ينتظرنا، هناك يختبر ثمرنا. فهل نسمع؟ هل نثمر؟ هل نكون له تينةً صالحةً، يأكل منها بشهيّة، فيجد فينا ما يروي جوعه إلينا؟
