الخوري نسيم قسطون:
حين اختار يسوع تلاميذه الاثني عشر (متى 10: 1-7)، لم يعتمد معايير الكفاءة المؤسساتية أو المؤهلات الخارقة، بل انتقى خليطًا متنوعًا من البشر العاديين؛ صيادين وعشارين، أصحاب طموحات مادية وميول سياسية، فيهم الشكاك والمتردد والخائن. هذا التنوع الجغرافي والثقافي والطبقي يمثل جوهر الكنيسة والمجتمع المصغر الذي نعيش فيه اليوم. العبرة العملية الأولى من هذا الاختيار هي أن الرب لا ينظر إلى ماضي الإنسان أو حدود مقدراته، بل يراهن على مستقبل علاقته معه وعلى استعداده لوضع طاقاته المحدودة بين يديه لتتحول بنعمته إلى ثمار تفيض.
الرسالة المسيحية الحقيقية لا تتطلب بالضرورة مهارات لاهوتية معقدة أو خطبًا رنانة، بل تبدأ من الدائرة الأقرب؛ من البيت، والعائلة، ومحيط العمل. إن العاجز عن الشهادة لحضور المسيح أمام الأقربين سيكون عاجزًا عن حملها إلى الأبعدين. وتتجلى هذه الشهادة اليومية في ممارسات عملية بسيطة وملموسة: الالتزام بالصلاة المشتركة مع العائلة، والامتناع عن الكلام البذيء أمام الأبناء، وتربيتهم على قيم الحق والنزاهة بعيدًا عن ثقافة السرقة أو التشاطر، وتقديم أفعال الغفران والمصالحة الصامتة بدلًا من السعي وراء العجائب أو الظهور الخارجي.
إن حياة الرسل مرآة لواقعنا الإنساني؛ فكل منا يحمل في داخله ضعف بطرس الذي يخونه الخوف ثم يقوى بالمحبة والتوبة، وشك توما الذي يقوده البحث الصادق إلى عمق اليقين، وتسرع أبناء زبدي في طلب المراكز قبل فهم بذل الذات. والتحدي العملي اليوم يكمن في كيفية التعامل مع هذا الضعف والخطأ. فالكنيسة لم تُبنَ على النجاح البشري، بل على شجاعة الاستمرار والنهوض بعد السقوط، والاتكال على رحمة الله لا على القوى الذاتية.
حين نركز على نقاط الضعف فقط، نقع في فخ السلبية التي تجعلنا نتذكر أخطاء الآخرين ونتناسى تاريخهم الأبيض، تمامًا كما نتذكر إنكار بطرس وشك توما وخيانة يهوذا ونغفل عن بطولاتهم اللاحقة. إن التغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من الداخل، من وعي الإنسان لنقاط ضعفه وإصلاحها قبل التفرغ لانتقاد الآخرين أو إقصائهم. الإيمان الأصيل لا يبني جدرانًا بل يشيّد جسورًا للانفتاح على الآخر المتنوع ومخاطبته بلغة المحبة والرحمة؛ فالإيمان ينمو بقدر ما يتحول من مجرد قناعة فكرية إلى حياة معاشة، وبقدر ما نتحرر من حساباتنا الضيقة لنلبي الدعوة اليومية بـ “نعم” عملية تجعل من سلوكنا إنجيلًا حيًا يقرأه الناس في تفاصيل حياتنا اليومية.
