الأحد الرابع من زمن العنصرة

You are currently viewing الأحد الرابع من زمن العنصرة

الخوري نسيم قسطون:

في إنجيل هذا الأحد (لوقا 10: 21-24)، يفرح يسوع لأنّ الآب يكشف أسراره للبسطاء.

ليست البساطة هنا نقصًا في الفكر، بل صفاءً في القلب يجعل الإنسان قابلًا للتعلّم، سريع الثقة بالله، وبعيدًا عن كبرياء الاكتفاء بالنفس. الإنسان الذي يظنّ أنّه فهم كلّ شيء يغلق الباب أمام النعمة، أمّا الذي يعرف أنّه محتاج، فيبقى قلبه مفتوحًا، ولذلك يرى ما لا يراه كثيرون.

الطفولة الروحيّة التي يدعونا إليها الربّ ليست هروبًا من المسؤوليّة، بل طريقة عيش مختلفة. هي أن نضع أنفسنا أمام الله بلا أقنعة، فنكفّ عن التظاهر بالقوّة الدائمة، ونعترف بتعبنا وخوفنا وحاجتنا إليه. عمليًّا، هذا يعني أن نبدأ يومنا بصلاة قصيرة صادقة، لا بكثرة الكلام، بل بتسليم فعليّ. ويعني أيضًا أن نعود سريعًا إلى التوبة بدل تبرير أخطائنا، وأن نطلب المساعدة حين نعجز بدل أن نغرق في العناد.

يسوع يقول أيضًا إنّ عيون التلاميذ مباركة لأنّها ترى ما اشتهى كثيرون أن يروه. ونحن أيضًا نعيش وسط نِعَم قد لا ننتبه إليها: كلمة الله بين أيدينا، حضور المسيح في الكنيسة، فرص الغفران، وأشخاص يرسِلهم الربّ ليعينونا أو يحتاجون إلى رحمتنا.

المشكلة ليست دائمًا في قلّة العطاء، بل في ضعف الانتباه. لذلك من المهمّ أن ندرّب أنفسنا على الشكر اليومي، فنخصّص كلّ مساء دقائق نسمّي فيها ثلاث نِعَم نلناها في ذلك اليوم. بهذه الممارسة البسيطة نستعيد دهشة الإيمان ونكسر عادة التذمّر.

ومن الجوانب العمليّة أيضًا أن نتحرّر من الاستهلاك الروحي. قد نعتاد الإنجيل، والقدّاس، والصلاة، فنفقد حرارة اللقاء. العلاج ليس في البحث الدائم عن أمور جديدة، بل في تجديد النظرة. أن نقرأ مقطعًا إنجيليًّا ببطء، أن نصمت قليلًا بعد المناولة، أن نسأل: ماذا يريد الربّ منّي اليوم؟ حينها لا تبقى العلاقة مع الله عادة، بل تصير حياة.

الطفل يثق، يعيش اللحظة، ويفرح بما لديه. هكذا يريدنا الربّ. لا أن نهمل المستقبل، بل ألّا نعبده. لا أن نرفض المال، بل ألّا نجعله سيّدًا علينا. لا أن ننكر الألم، بل ألّا نسمح له بأن يسرق رجاءنا. الطفولة الروحيّة تظهر في بساطة الكلام، وفي حسن النيّة، وفي قلب لا يفسّر كلّ شيء بسوء ظنّ، وفي عين ترى الخير قبل الشرّ.

إنجيل اليوم يدعونا إلى عودة داخليّة: من التعقيد إلى الثقة، من الاعتياد إلى الامتنان، من الكبرياء إلى التلمذة. من يعيش هكذا لا يصير أصغر، بل أصدق؛ ولا يبتعد عن الواقع، بل يراه بنور الله. هذه هي البركة الحقيقيّة: أن نعرف ما أُعطي لنا، وأن نحياه بقلب ابنٍ يعرف أنّ الآب قريب.

اترك تعليقاً