الأحد السابع عشر زمن العنصرة

You are currently viewing الأحد السابع عشر زمن العنصرة

الخوري نسيم قسطون:

قد نعجب بمثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37) لروحانيّته العميقة. لكن الجانب العملي في تصرفه يستحق تفكيرًا أكبر.

لم يكتفِ السامري بأن شعر بالرحمة، بل حول هذا الشعور فورًا إلى سلسلة أفعال واضحة ومتتابعة. هذه الأفعال يمكن أن تكون لنا دليلًا عمليًا كلما صادفنا شخصًا جريحًا في حياتنا.

أول ما فعله أنه “اقترب منه”. لم يكتفِ بالنظر من بعيد أو بإطلاق تنهيدة تعاطف عابرة. قطع المسافة الفاصلة بينه وبين الألم. كثيرًا ما نشعر بالشفقة تجاه من حولنا، لكننا نُبقي أنفسنا في أمان خوفًا من أن يكلّفنا الاقتراب وقتًا أو التزامًا. بعد ذلك “ضمّد جراحه، وصبّ عليها زيتًا وخمرًا”. استخدم ما كان معه فعلاً، لا ما تمنّى لو كان يملكه. الرحمة العملية لا تنتظر الظروف المثالية أو الإمكانيات الكبيرة. تعمل بما هو متوفر في اللحظة، حتى لو كان زجاجة زيت وقليلاً من النبيذ.

اللافت أيضًا أنه “أركبه على دابته”. هذا يعني أنه تخلى عن راحته الشخصية ومشى على قدميه ليعطي الجريح مكانه. الرحمة الحقيقية كثيرًا ما تحتاج هذا النوع من التنازل الصامت الذي لا يُعلن ولا ينتظر عليه تصفيق.

لكنّ الأهمّ هو أنّ السامريّ لم يكتفِ بالإسعاف الأوّلي. لقد أخذه إلى فندق واعتنى به. ثمّ عندما اضطر للسفر لم يترك الجريح وحده. دفع أجرة رعايته وقال لصاحب الفندق، اعتنِ به، وإذا أنفقت أكثر سأدفع لك عندما أعود. هنا يظهر سرّ الرحمة الناضجة. يجب أن نضمن استمرار العناية بعد أن ننهي مبادرتنا الأولى، بدل أن نكتفي بلحظة عاطفية سرعان ما تزول.

هذا الجانب جذب انتباه آباء الكنيسة منذ القرون الأولى.

رأى أوريجانوس أن الفندق في هذا المثل يرمز إلى الكنيسة التي تواصل عبر الأجيال عمل الشفاء الذي بدأه السامري نفسه. وعد العودة والدفع يعني استمرار عناية المسيح بنا من خلال رعاته وخدامه. وفسّر القديس أوغسطينوس الأمر بطريقة مشابهة فقال إن صاحب الفندق يمثّل كلّ شخص يُوكل إليه متابعة عمل خيّر بدأه شخص آخر وهذا يذكّرنا أنّ الرحمة عمل جماعيّ ومستمرّ، وليست فعلاً فرديّاً منفصلاً.

كذاك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “إن كنت لا تستطيع أن تجد المسيح في الفقير عند باب الكنيسة، فلن تجده في الكأس”. فالإيمان لا يقاس بما نعلنه فقط، بل يقاس أيضًا بما نفعله حين يطلب الآخر منا وقتًا أو اهتمامًا أو تضحية. ويذكّرنا القديس إسحق السرياني أن القلب الرحيم “يحترق من أجل الخليقة كلها”، ذلك لأنه لا يحصر محبته فيمن يشبهه أو يتوافق معه.

فلنسأل أنفسنا بشكل عملي: من هو الجريح الذي مررت بجانبه هذا الأسبوع؟ هل اقتربت فعلاً، أم اكتفيت بالشعور من بعيد؟ هل استخدمت ما بين يدي، مهما كان بسيطاً، أم انتظرت حتى تتوفر لي الوسائل المثالية؟ وأخيراً، هل تابعت ما بدأته، أم تركت المسؤولية تسقط بعد أول لفتة؟ فالمحبة الحقيقية لا تقاس بقوة الشعور الأول، بل بثبات المتابعة حتى يشفى الجريح تماماً.

اترك تعليقاً