ميخائيل نعيمة –
وما أكثر الذين جفّت مياههم ، واقتلعت جذورهم ، واضمحلّ عبير حياتهم ، فأظلمت شموسهم ، واربدّ وجه سمائهم ، وعسكر اليأس في قلوبهم ، وبلبل الذعر أفكارهم ، لا لشيء إلّا لأنّهم بنوا عالماً تخيلوه عالم استقرار وثبات وراحة ، فإذا بأسسه تميد إذ تهبّ عليها عاصفة هوجاء من شقاء المتعبين والمرهقين والمنسيين والذين ضاق بهم ذلك العالم فضيّق عليهم أنفاسهم وإذا بعالمهم ينهار ويتمزّق كأنّه بيت العنكبوت . وإذا بهم ـــ والهدم لا يزال على قدم وساق ـــ يلملمون منذ الآن أنقاض عالمهم ويجهدون الفكر في بنيان عالم جديد منها . وحظ عالمهم الجديد من الثبات لن يكون أوفر من حظ عالمهم القديم .
لئن حقّت الشفقة على إنسان فهؤلاء بها حقيقون . وأحقّ منهم أولئك الذين يصرخون في الناس : (( لقد تفاقمت شروركم وتكاثرت معاصيكم . وها أنتم تنالون جزاء الشرّ والمعصية . )) وهم يعنون بالشرّ القتل والسلب والتدمير والفحشاء بأنواعها . كأنّ هذه ما وُلدت إلّا أمس ، وكأنّها ما لازمت البشرية منذ أصبح الإنسان ذكراً وأنثى . أجل . إن هذه كلّها لثمار من شجرة الشرّ ، ولكنّها ليست الشجرة ، فلو صحّ للناس إتلافها لما أتلفوا معها الشرّ . إذ أن إتلافكم للثمر لا يتلف الشجرة التي حملته .
لا . ما ازداد الشرّ ولا تفاقم ، وإن تنوّعت أثماره وكثر عدد المقبلين عليها بنهم الجائع وشغف المتيّم . فالشرّ ما برح كما كان منذ كان . مثلما ما برح الخير خيراً منذ كان الخير ، والحقّ حقّاً منذ كان الحقّ ، والشرّ قائم في وهم الإنسان أن في مستطاعه أن يحيا بغير حياة الله ، وأن يجني من حياته ثمرة أشهَى من الله ، وأن يبني عالماً ثابتاً من غير أن يؤسسه على الله .
Share via:
1
Share
