…دائمًا أعذار

You are currently viewing …دائمًا أعذار
المطران تيودور الغندور-
يروي لنا الرب في إنجيل القديس لوقا (14: 16–24) مثل العشاء العظيم. رجل أعدّ مأدبة فاخرة، وأرسل عبيده ليدعوا المدعوّين. كل شيء كان جاهزًا. المائدة مهيّأة. الفرح ينتظر. لكن المدعوّين، واحدًا تلو الآخر، بدأوا يقدّمون الأعذار. واحد اشترى حقلاً، وآخر اقتنى ثيرانًا، وثالث تزوّج حديثًا. لا شيء من هذه الأمور شرّ في ذاته. المشكلة ليست في الحقل ولا في الثيران ولا في الزواج، بل في القلب الذي يفضّل أمرًا آخر عندما يدعو الله.
المثل لا يتحدّث عن رفض صريح، بل عن تأجيل. ليس “لا أريد”، بل “ليس الآن”. وربما هنا تكمن الخطورة. الأعذار تبدو معقولة، بل مسؤولة أحيانًا، لكنها تكشف انقلابًا صامتًا في الأولويات. الله يدعو، لكنه يُترك إلى وقت لاحق.
في روحانية الكنيسة الأرثوذكسية، تُفهم الحياة المسيحية على أنها استجابة. الله هو دائمًا صاحب المبادرة. هو الذي يدعو ويعطي ويقود إلى الشركة. الحياة الروحية لا تبدأ بجهودنا، بل بإصغائنا لهذا النداء. وعندما نجيب بأعذار متكرّرة، فنحن لا نسيء تنظيم الوقت فحسب، بل نضعف العلاقة ذاتها.
يتحدّث الآباء القديسون بوضوح عن هذا الأمر. فالقديس يوحنا الذهبي الفم يذكّرنا بأن العدو نادرًا ما يبعدنا عن الخير بخطيئة فاضحة، بل غالبًا ما يشغلنا بأمور مباحة، بل صالحة أحيانًا، لكنها تأخذ مكان الأساس. وهكذا تُؤجَّل الصلاة، وتتحوّل الليتورجيا إلى أمر اختياري، ويُرجأ الاعتراف، ويُترك الصوم إلى “المرّة القادمة”. لا عن تمرّد، بل عن اعتياد.
في أيامنا، تكاثرت الأعذار. ضيق الوقت، التعب، كثرة الالتزامات، الفتور، خيبات الأمل في الكنيسة أو في أشخاصها، والفضائح. كل ذلك واقع لا يمكن إنكاره. لكن هذه التبريرات، شيئًا فشيئًا، تبني حياة مسيحية سطحية، بلا عمق. إيمان يتكيّف مع الراحة، بدل قلب يتغيّر.
يقول كثيرون: “أؤمن بالله، لكنني لا أحتاج إلى الكنيسة”. ويقول آخرون: “أصلّي في البيت، ولا حاجة لي بالليتورجيا”. وهناك من يردّد: “عندما تستقر حياتي، سأعود”. هذه كلها أشكال حديثة للجواب نفسه الذي نسمعه في المثل. الدعوة قائمة، لكن الحضور مؤجَّل.
في الرؤية الأرثوذكسية، الحياة الروحية ليست أمرًا ثانويًا. إنها حياة أو موت، شركة أو عزلة. الكنيسة ليست مجرّد إطار اجتماعي، بل المكان الذي يبدأ فيه ملكوت الله بالظهور منذ الآن. والليتورجيا ليست تقليدًا قديمًا، بل اشتراكًا حقيقيًا في مأدبة الملكوت. وعندما نرفض هذه الدعوة، نرفض ما يشفي نفوسنا وينير عقولنا ويعيدنا إلى ذواتنا.
ينتهي المثل بنبرة قوية. صاحب البيت يأمر بدعوة الفقراء والعرج والعميان والمهمّشين. ليس لأنهم أفضل، بل لأنهم فارغون. من يدرك فقره الروحي يسرع إلى المأدبة. أمّا من يظنّ نفسه مشغولًا أو مكتفيًا، فيؤجّل حتى يفقد الإحساس بالدعوة.
«اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم» (مز 94). هذا ما تردّده الكنيسة بلا انقطاع. الروحانية الأرثوذكسية تشدّد على “اليوم”. اليوم هو يوم الخلاص. اليوم هو زمن الاستجابة. لا عندما تستقيم كل الأمور، بل الآن، وسط التعب والصراعات والنقص.
لعلّ أعظم فحص روحي في زمننا هو هذا السؤال: ما هي الأعذار التي أستخدمها لأتجنّب عيش حياة كنسية حقيقية؟ ما الذي أضعه دائمًا قبل الله؟ الحقل؟ الثيران؟ الانشغالات؟ أم الخوف من التغيير؟
المأدبة ما زالت مُعدّة. المائدة لم تُرفع. الدعوة ما زالت تُسمَع. السؤال ليس إن كان الله يدعو، فهو يدعو دائمًا. السؤال هو: هل سنبقى نجيب بالأعذار، أم سننهض أخيرًا ونذهب؟

اترك تعليقاً