الخوري نسيم قسطون:
في مطلع العام الجديد، تتكثّف الدعوات الروحيّة لتحويل هذه البداية الزمنيّة إلى منعطف حقيقي في مسيرة الإنسان نحو الله. إنّها لحظة فريدة تدعونا إلى تأمّل أعمق، يتجاوز المظاهر الاحتفاليّة العابرة التي غالباً ما تكرّس النسيان المؤقّت أو الهروب إلى أوهام الغيب. ففي خضمّ الضجيج واللهو، يقف القلب المتأمّل مدعوّاً إلى صمت المهمة الجوهريّة: العودة إلى سيّد الزمن ومصدر السلام.
ترتبط هذه البداية، في التقليد المسيحي، بذكرى ختانة الربّ يسوع (لوقا 2: 21)، وهي طقس قديم من العهد القديم كان علامة على العهد بين الله وشعبه. لكنّ التجسّد أعطى هذا الرمز بعداً جديداً وأعمق. فالمسيح، وهو سيّد الشريعة ومتمّمها، لم يأتِ لينقض، بل ليكمل. خضوعه للختان إحتراماً للشريعة هو اعتراف بقيمة الشرائع كجسر نحو الله، لكنّه في الوقت نفسه افتتح مرحلة جديدة حوّلت العهد من علامة جسديّة ظاهرة إلى تحوّل روحيّ باطن. لقد انتقلنا من ختان الجسد إلى ختان القلب.
هذا الانتقال هو جوهر دعوة العام الجديد. فختان القلب يعني جراحة روحيّة نزيل فيها كلّ ما يشوّه صورتنا الأصليّة، وكلّ عائق يعترض طريق محبّتنا لله والقريب. إنّه نداء لتطهير الباطن من كلّ حقد أو حسد أو أنانيّة، ومن كلّ عادة أو فكر أو ارتباط يبعدنا عن ينبوع الحياة الحقيقيّة. والسنة الجديدة، بهذا المعنى، ليست مجرّد صفحة تقويم جديدة، بل فرصة ثمينة لمراجعة شاملة نختبر فيها حياتنا على ضوء كلمة الله، مميّزين ما يجب أن “نختنه” ونقطعه لننطلق في درب الربّ بخفّة وإخلاص أكبر.
وهذا الختان الروحيّ ليس انطواء على الذات، بل هو الشرط الأساسي لبناء السلام الحقيقي الذي نحتفي به أيضاً في هذا اليوم. فالسلام الذي ينشده العالم، والذي تتعطّش إليه قلوبنا، ليس هو غياب الصراع فحسب، بل هو ثمرة المصالحة: المصالحة مع الله أولاً، ثمّ مع الذات ومع الآخر. سلامٌ ينبع من قلب مطهَّر، يتّحد بمحبّة الله فيبدأ برؤية الآخر كأخٍ في الإنسانيّة، وكرغبة صادقة في عيش المحبّة العمليّة. فمن أراد أن يحبّ الله، عليه أن يجسّد هذا الحبّ ويترجمه في محبّة الإنسان، الذي أعاده الله إلى كرامته بالتجسّد والفداء.
لذلك، يقف المسيحيّ في مستهلّ العام أمام خيارين: إمّا أن ينقاد مع التيار العام نحو مظاهر الاحتفال الفارغة، أو أن يغتنم هذه المحطّة ليغوص في أعماق ذاته وإيمانه. إنّ الظواهر المناقضة لروح الإيمان، من تنجيم يسلب العقل وإرادة الله، إلى ملذّات تلهي القلب وتسكّته، هي إغراءات تحاول أن تبعدنا عن جوهر دعوتنا. لكنّ الإيمان الراسخ يدرك أن السلام والأمان لا يوجدان خارج قلب الله ورضاه.
فالنداء هو إلى عودة واعية إلى الرشد المسيحيّ، حيث نضع حياتنا ومصيرنا بين يدي الله بثقة الطفل بأبيه. هذه الثقة هي التي تمنحنا الشجاعة لنتخلّى عمّا يثقل خطانا، ولنبدأ مسيرة جديدة بتواضع وروحٍ متجدّدة. إنها دعوة لأن نكون، على مثال المسيح، صنّاع سلام، حاملين اسمه لا قولاً فحسب، بل فعلاً وحياة. أن نكون ودعاء في تعاملنا، جادّين في إيماننا، ميّالين إلى الخير، سريعين في الهرب من الخطيئة، مدركين قيمتنا كأبناء لله، نقيّي القلب، حكماء في قراراتنا، صبورين في التجارب، متأهّبين لعمل الخير، متسلّحين بروح العطاء، ولا نغرق في تفاصيل العالم الزائلة.
هكذا تصير السنة الجديدة مشروعاً متكاملاً لتجديد الحياة من الداخل، لينعكس هذا التجديد سلاماً وخيراً على كلّ من حولنا. فلنجعل من كلّ يوم فيها فرصة لختان القلب، خطوة نحو الله، وشهادة محبّة. عندها فقط نستحقّ أن نحمل اسم المسيح، ونكون بناةً لعالم أكثر إنسانيّة وسلاماً. كلّ خطوة نحو الداخل، نحو تنقية القلب، هي خطوة نحو تحقيق السلام المنشود. فليكن هذا العام بداية حقيقيّة، وليكن خيراً لأنّنا جعلناه في يد من هو نفسه الخير والسلام.
