شوفة الحال في مناسباتنا الكنسية

You are currently viewing شوفة الحال في مناسباتنا الكنسية
ظاهرة مقلقة تعكس تراجعاً حاداً في مستوى الرقي الإنساني و الوعي الجماعي . هذه الظاهرة تتمثل في الإسراف المبالغ فيه في المناسبات الكنسية و الاجتماعية ، و تحويلها من محطات روحية تتسم بالبساطة و العمق ، إلى منصات للاستعراض ، و التفاخر ، و حصرها في دائرة ضيقة من المآكل الفاخرة ، و اللباس الثمين ، و الحفلات الباذخة .
​إننا أمام مشكلة تتجاوز مجرد مظاهر احتفالية عابرة ؛ إنها أزمة هوية و قيم ، حيث نسينا الجوهر ، و عبدنا المظهر .
​إن المحرك الأساسي لهذه الظاهرة هو الكبرياء و شوفة الحال (الزهو الاجتماعي) . لم يعد الاحتفال ينبع من رغبة حقيقية في عيش الفرح أو شكر النعمة ، بل تحول إلى “ميدان للمنافسة الشرسة” . من سيكون فستانها الأغلى ؟ من سيقيم حفلة في الصالة الأكثر فخامة ؟
​هذه المقارنة المستمرة ولّدت رعباً خفياً من الانتقاد أو من نظرة المجتمع الدونية ، مما جعل الكثيرين يقعون في فخ “البرستيج الوهمي” الذي يفرضه القطيع .
​المفارقة الصارخة و المؤلمة في آنٍ معاً ، هي أن الكثير من العائلات التي تقيم هذه الحفلات الباذخة تعاني في الأصل من أزمات مادية خانقة . و مع ذلك ، تجدهم على استعداد تام للاستدانة ، و ترتيب أعباء مالية و قروض تثقل كاهلهم لسنوات قادمة ، فقط لكي لا يُقال إن “مناسبتهم كانت أقل من مناسبة فلان” .
​هذا السلوك يعكس انفصاماً اقتصادياً و نفسياً خطيراً ؛ حيث تصبح الأولوية هي إرضاء عيون الآخرين ، حتى لو كان الثمن هو الاستقرار المالي و النفسي للعائلة . المهم ، في نظر هؤلاء ، أن تمر المناسبة دون “انتقاد” ، و أن تُلتقط الصور التي توحي بالثراء ، حتى لو كان وراء تلك الصور ديون تقضّ المضاجع .
​الطقوس في جوهرها ، و خاصة الروحية منها ، تأسست لتكون مساحة للتواضع ، و التلاقي الإنساني ، و العودة إلى الذات ه. البساطة كانت دائماً هي الوعاء الذي يحمل القدسية .
​لكن عندما يطغى الصخب ، و تتحول الكنيسة أو قاعة الاحتفال إلى “عرض أزياء” و “سوق للمظاهر” ، يغيب الجوهر الروحي تماماً . يتحول الفرح الحقيقي النابع من السلام الداخلي و المحبة الصادقة ، إلى “فرح مصطنع” محكوم ببروتوكولات الشكليات ، حيث يراقب الجميع بعضهم البعض بعيون فاحصة و منتقدة ، بدلاً من عيون محبة و مشاركة .
​في أوقات الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالكثير من الأسر حولنا ، يتحول الإسراف و المجاهرة بالبذخ إلى نوع من العمى الأخلاقي و غياب الحساسية الإنسانية .
​المناسبات الروحية يجب أن تكون منبراً للتضامن و التواضع ، و الشعور بالآخر . أما تحويلها إلى استعراض للثروة (حتى لو كانت وهمية أو مستدانة) فهو يساهم في تعميق الفجوات الطبقية ، و يزيد من إحباط الفقراء ، و يشوه الصورة الإنسانية للمجتمع .
​نحو ثورة على العادات الجوفاء : ما العمل ؟
​إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب شجاعة اجتماعية و أخلاقية تبدأ من الفرد و العائلة :
​استعادة شجاعة البساطة : نحن بحاجة إلى نماذج و عائلات تملك الجرأة لكسر هذا النمط السائد ، و تقيم مناسباتها بأناقة و بساطة تحترم واقعها المالي، دون الالتفات إلى لوم اللائمين .
​إعادة صياغة مفهوم الرقي: الرقي الحقيقي لا يُشترى بالمال ، و لا يُقاس بحجم الولائم . الرقي هو في التواضع ، في طريقة التعامل مع الآخرين ، و في خلق ذكريات دافئة و حقيقية لا تثقلها الديون.
​دور المؤسسات التوجيهية و التربوية : هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الموجهين وأصحاب الفكر في الإشارة المستمرة إلى هذه الآفات الاجتماعية ، و إعادة تذكير المجتمع بأن القيمة الإنسانية للشخص تنبع من جوهره و عطائه ، لا من حجم البهرجة التي يحيط بها نفسه .
إن المظاهر الخارجية ، مهما بلغت من الفخامة ، هي قشور تذهب مع انتهاء الحفل ، و تترك خلفها فراغاً روحياً و هماً مادياً . أما البساطة و المحبة الحقيقية ، فهما الجوهر الذي يدوم و يبقى راسخاً في الذاكرة و القلوب. لقد حان الوقت لنسترد مناسباتنا من أيدي “شوفة الحال” ، و نعيد إليها روحها الحقيقية.
 الأب جورج لويس-

اترك تعليقاً