مخائيل نعيمة أصول عكارية، ومن أوائل البيئيين

You are currently viewing مخائيل نعيمة أصول عكارية، ومن أوائل البيئيين
يحكي الأديب والمفكر الكبير مخائيل نعيمة في كتابه “سبعون”، أن جد العائلة جاء إلى بسكنتا واستقر فيها قادماً من “منطقة عكار”. ما من معلومة ترشد إلى البلدة أو القرية العكارية التي انطلق منها الجد، لا في كتابات الأديب ولا من خلال اتصالاتي بالقريبات والأقرباء من جيل اليوم.
إذا كان النسب هو عادة ما يجسّد روابط القربى، فإن هناك عند مخائيل نعيمة رابط آخر يقرّبنا منه ويشدّنا إليه، وهو أقوى وأهم من أصوله العكارية، إنه الشغف بالطبيعة كمصدر الهام وانسجام مع الذات وكدرب نمشي عليه لنصل إلى الروحانية.
الحس البيئي لدى ميخائيل نعيمة يتجلى في عمق ارتباطه بالطبيعة، خاصة ارتباطه بالقرية اللبنانية، حيث يرى فيها تجسيدًا للروحانية والجمال الأصيل، مع نقد ضمني لتغريب الإنسان عن أرضه، وتصويره للطبيعة ككائن حي يتنفس ويئن، ويحمل في طياته رموزًا للسلام الداخلي والتجرد، كما يظهر في كثير من أعماله التي يربط فيها بين الإنسان والطبيعة بشكل وثيق.
يُعتبر ميخائيل نعيمة من أوائل المفكرين الذين تناولوا قضايا البيئة والطبيعة في الأدب العربي، فكتاباته التي تمزج بين الروحانية والتأمل في الطبيعة، مثل كتابه “البيادر”، تبرز حبه للأرض والريف ودعوته للتناغم مع بساطة وعمق هذه الحياة وفهمه العميق للدور الأساسي في حياتنا للتراب والماء والنسيم وهو ما يجعله سابقاً لعصره في الاهتمام بالبيئة قبل أن يصبح مصطلح “البيئة” شائعاً، حيث كان يرى الإنسان جزءاً من الطبيعة لا سيداً عليها.
في كتاب “البيادر” يتجلى التأمل في الطبيعة كمرآة للروح ومصدر للحقيقة والسكينة، حيث يستخدم الطبيعة (مثل صنّين، الصخر، السماء، الأشجار) للتعري من شوائب الحياة، والاتصال بالذات الأصيلة، واستكشاف وحدة الوجود الإنساني مع الكون حيث يراها في كل شيء، من البحر والأرض إلى الإنسان نفسه، فكلها “وحدة كاملة”. يربط نعيمة بين إرادة الإنسان وإرادة الكون، ويرى أن الطبيعة جزء من هذه الإرادة الشاملة التي تسوس الكون، وأن الإنسان شريك فيها.
رحل مخائيل نعيمة في سنة 1988 عن عمر ناهز ال99 عاماً، تاركاً إرثاً فكرياً وأدبياً كبيراً. كما ترك لنا الدرب الذي سلك وأحب، في الشخروب، حيث يرقد في خضم الطبيعة التي عشق، تحت منحوتة صخرية ضخمة للأخوة عسّاف.
أنطوان ضاهر-

اترك تعليقاً