الخوري نسيم قسطون:
يقدم لنا مشهد البشارة لزكريا نموذجاً حياً للعلاقة بين انتظار الإنسان وأمانة الله. ففي خريف العمر، حيث يبدو الجسد قد استنفد أغراضه، وحيث تصبح الذاكرة حملاً ثقيلاً من الأحلام المؤجلة، يختار الله أن يتدخل. لم يكن هذا التدخل مجرد استجابة لصلاة تقدّم بها زكريا وأليصابات طوال سنوات العقم، بل كان تحويلاً جذرياً لمسار انتظارهما.
لقد طلبا ولداً ليكمل مسيرة أبيه الكهنوتية، ولكن الله منحهما يوحنا، الذي يعني اسمه “الله تحنن”، ليكون صوته الداعي إلى التوبة ومهيئاً طريق الرب.
هذه المفارقة بين طلب الإنسان واستجابة الله هي جوهر الرسالة. فكثيراً ما نرفع صلواتنا محملة بتصوراتنا المحدودة، نطلب حلولاً تلائم قياسات زماننا ومكاننا. ولكن حكمة الله تتخطى هذه الحدود. هو لا يمنحنا دائماً ما نطلبه، بل يمنحنا ما هو أعمق وأبقى، حتى لو بدا في البداية غريباً عن توقعاتنا. فزكريا، الذي شك في البشارة بسبب سنه، عاش لتري حبريته تتوج بولادة تفتح باباً جديداً في تاريخ الخلاص.
إن أسماء الشخصيات في هذه القصة تحمل في طياتها رسالة ثابتة. زكريا: “الله تذكر”. أليصابات: “الله أقسم”. يوحنا: “الله تحنن”. هذه الأسماء مجتمعة تؤكد أن الله لا ينسى وعوده، ولا يتخلى عن قصده الرحوم نحو البشر. حتى عندما تبدو الظروف غير مواتية، وحين يخيم صمت الله ثقيلاً، فهو يعمل في الخفاء، يهيئ الظروف، ويعد القلب، ليعلن في الوقت المناسب عن تدخل يفوق كل تصور.
إن ما جرى مع زكريا وأليصابات يدعونا إلى إعادة النظر في مفهومنا للرجاء.
الرجاء المسيحي ليس تفاؤلاً ساذجاً يعتمد على تحسن الظروف، بل هو ثقة راسخة في شخص الله وفي أمانته. هو إيمان بأن الله قادر أن يخلق حياة من رحم العقم، ونوراً من قلب الظلمة، ومعنى من دوامة العبث. إنه دعوة لنتخلى عن حساباتنا الضيقة، ونسلم له زمام حياتنا، واثقين أنه يحقق من خلالنا، وبطرق قد لا نفهمها تماماً، مشيئته الصالحة الكاملة.
هذا الإيمان هو الذي يحررنا من عبء اليأس، ويمكننا من أن ننظر إلى مستقبلنا، مهما بدا غامضاً، بنظرة ثقة وسلام. فالله الذي تذكر زكريا، وأقسم لأليصابات، وتحنن فمنحهما يوحنا، هو نفسه الذي يسير معنا في رحلة حياتنا، يعرف ضعفنا، ويسمع صلواتنا، ويعمل فينا وفينا لتحقيق قصده المحب.
