الخوري نسيم قسطون:
تكتسي مناسبات الحزن في مجتمعاتنا اليوم طابعاً اجتماعياً طاغياً، حيث تحوّل “واجب العزاء” إلى فرصة للقاءات الرسمية وتصفية الحسابات المعنوية، بينما يغيب الجوهر الروحي للصلاة والمشاركة الوجدانية.
هذا الواقع يعكس أزمة أعمق في نظرة الإنسان المعاصر إلى الموت؛ فبين خوفٍ مشلٍّ يجعل الحياة أشبه بالعدم، وبين لامبالاةٍ تغرق في الاستهلاك والتعلق بالماديات، يضيع الاستعداد الحقيقي للحظة الانتقال الأبدي.
إن الموت في جوهره ليس نهاية بائسة، بل هو وقفة صدقٍ تكشف حقيقة ما زرعناه في أيامنا الفانية، وميزانٌ يعاكس بمنطقه الإلهي كل مقاييس البشر الدنيوية.
في مثل الغني ولعازر (لوقا 16: 19-31)، نجد التجسيد الأسمى لهذه المفارقة؛ فالإدانة لم تكن يوماً للغنى كقيمة مادية، بل للعمى الروحي الذي أصاب قلب الغني فجعله يعجز عن رؤية الفقير الملقى عند بابه.
لقد انمحى اسم الغني من سجلات الخلود لأنه استمد قيمته مما “يملك” لا مما “هو عليه”، بينما خُلِّد اسم لعازر، الذي يعني “الله معونتي”، لأن جوهره الإنساني كان أسمى من شقائه الجسدي. إن المأساة الحقيقية تكمن في “اللامبالاة”، ذلك المرض الروحي الذي يجعلنا نتجاوز أنين المتألمين حولنا، لا قسوةً منا فحسب، بل لأننا ببساطة لم نعد ننتبه لوجودهم في محيطنا.
إن “لعازر” في عصرنا ليس مجرد فقير يشتهي الفتات، بل هو كل إنسان يئن تحت وطأة التهميش، أو العزلة، أو الحاجة إلى كرامة العمل لا لمجرد الصدقة العابرة. هو المريض الذي ينتظر زيارة، والعجوز الذي يبحث عن رفيق، والشاب الذي يفتقد المعنى وسط صخب المادة. إن وجود هؤلاء في حياتنا هو اختبار حقيقي لرحمتنا وإنسانيتنا، فالغنى الحقيقي هو القلب المنفتح الذي يرى في الآخر أخاً وشريكاً، والفقر الحقيقي هو فقر القلب المنغلق على ذاته.
بناءً على هذا اليقين، نُدعى اليوم لنكون “أبناء النهار” الذين يواجهون الموت بالرجاء، ويحولون الوداع البائس إلى وعد بلقاء دائم في بيت الآب حيث المنازل كثيرة.
إن الموت لا يضع حداً للحياة، بل ينقلها من ضيق الجسد إلى رحابة الروح، حيث لا يحدّنا زمان أو مكان. والصلاة من أجل الذين سبقونا ليست طقساً جامداً، بل هي جسر من المحبة يتجاوز حدود المادة، وتعبير عن تضامن روحي يجمع الأحياء والراقدين في رباط لا ينفصم من الرجاء.
في الختام، يظل السؤال الجوهري يتردد في أعماقنا: هل نرى “لعازر” في حياتنا قبل فوات الأوان؟
إن قيمتنا الحقيقية لن تُقاس يوماً بما تراكم في خزائننا من حطام الدنيا، بل بما غرسناه من محبة ورحمة في قلوب الآخرين. فالمسافة بين الموت والحياة يختصرها فعل إنساني واحد، يجعل من اسمنا علامة محفورة في ذاكرة الأبدية، ويحولنا من عابرين في عالم زائل إلى مستحقين لسعادة لا تزول في حضرة الله.
