أحد شفاء المخلّع

الخوري نسيم قسطون:

إنّه الأحد الخامس من زمن الصوم وفيه نتأمّل معاً في شفاء المخلّع (مرقس 2: 1-12).

هذا الشّفاء غريبٌ بكلّ ما في الحدث من تفاصيل…

مخلّعٌ صامت… أتوا به ولم يتكلّم… جماعةٌ متحمّسة لا يحدّها شيء ولا يوقفها عائق… وحديثٌ عن الخطايا والغفران في إطار شفاءٍ جسديّ…

المخلّع، الّذي لا إسم له، هو نموذجٌ للشخص اليائس. فمرضه يجعله عاجزاً عن القيام بأبسط الأمور ومع الوقت ونظراً لبقائه في السرير، يتقرّح جسمه كالأبرص وينزف دماً كالنازفة ويعتاد المشاهد كالأعمى.

هذا اليأس يقوده إلى عالم الصمت القاتل؛ فبالنسبة إليه، لا الصلاة (عكس الأبرص) ولا الطبّ (كالنازفة) ولا المال (عكس الابن الشاطر) حققت له ما يتمنى من صحةٍ وسعادة!

هذا المخلّع (منذ الولادة) ظنّ في أعماقه بأنّ حالته ناجمةٌ عن عقابٍ ما له أو لمن سبقوه (وفق المعتقد التقليديّ لدى اليهود) وهذا بحدّ ذاته خطيئةٌ من باب الشكّ في محبّة الله وفي رحمته!

لذا، فهو يجسّد رمزيًّا حالة كلّ واحدٍ منّا حين ييأس يغلق قلبه وفكره أمام رحمة الله، ويصبح قلبه صلباً كسطح البيت الّذي كان فيه يسوع!

غير أنّ هذا النوع من السطوح لا يخرقه سوى إيمانٌ قويّ ورجاءٌ أصلب لأناس يشبهون الرجال الأربعة الّذين حملوه!

فلنتخيّل لو أن الأربعة ذهبوا كلّ باتّجاه، أما كان ليزيد تخلّع المخلّع؟!

سرّ قوّة هؤلاء الرجال يكمن في وضوح هدفهم لأنّ يسوع كان وجهتهم وبغيتهم. ولكنّ ما ميّزهم عن سواهم هو ابتكارهم للوسيلة المناسبة التي تدفعنا إلى السؤال: لماذا كان خرق السطح أسهل من اختراق الجماهير؟ أليس لأنّ قلوب الناس تكون أحياناً أقسى من الطين والباطون، فتكون قلوباً من “حجر” بدل قلوب للبشر؟!

يقول التقليد أنّ ثلاثة من الرجال كانوا بطرس ويعقوب ويوحنا، الثلاثي المرافق دائماً للربّ وكأن الإنجيل يقول لنا: الرابع هو كلّ واحدٍ منّا شرط:

  • ألّا يقف في الباب أو قربه (مسيحي بالإسم، يكتفي بالواجبات لا بالمحبّة) فلا يدخل ولا يدع سواه يدخل بل يكتفي بالصلاة دون القيام بمبادرات عمليّة (تخيّلوا لو أنّ الرجال اكتفوا بالصلاة ولم يحملوا المخلّع؟!).
  • أو في الخارج (من يقول على الدوام “أنا ما خصّني”).
  • أو يكتفي بالبحث عن يسوع حين يكون بحاجةٍ إليه وينساه لاحقاً! وهم من قال فيهم بولس الرسول: ” أُنَاسٍ فَاسِدِي العَقْل، زَائِفِينَ عَنِ الـحَقّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوى وَسيلَةٌ لِلرِّبْح.”!

 

يظهر في النصّ بعدٌ كنسيٌّ رائع…

كل منّا مخلّع ولكن كلّ منّا قادرٌ إن سلّم تخلّعه بإرادته للّه أن يكون كمَن حملوا المخلّع إلى الربّ يسوع!

فحيث يتصلّب القلب تلعب الجماعة دورًا كبيرًا في الإبقاء على التواصل ما بين أيّ مخلّعٍ والربّ القدير وحده على شفائه!

هذا الإيمان الّذي يراه الربّ يجذب النّاس إلى الله ويقرّبهم إليه ويكسر الحاجز النفسيّ أو الرّوحي القائم بمجرّد أن يسمع المخلّع أن الله غفر له خطاياه وتخلّعاته العديدة!

عادةً ما ينبهر النّاس بالشّفاءات الجسديّة ويتتبّعون أخبارها بشغف وشوق…

ولكنّ الربّ، في هذا النصّ، أعطى الأولويّة للتوبة وليس للشّفاء الجسديّ وهذا ما يمكن أن نعتبره جوهر النصّ الّذي نتأمّل به…

إنّ آلاف الشّفاءات الرّوحيّة تحصل يوميّاً، لا بل أكثر، ومع هذا يغفل النّاس ذكرها أو لا يهتمّون بها…

التوبة الحقيقيّة لخاطئ، بنظر الربّ، أهمّ بكثير من صحّته الجسديّة فهو، مهما طال عمره، سيعود وتنتهي مسيرته الجسديّة يوماً ما بالموت بينما توبته تفتح له باب الحياة الأبديّة التي لا تنتهي!

العودة إلى الله هي التي تعطي حياتنا المعنى وتعطينا الزخم لمتابعة الحياة بنفس المتلهّف للقاء الربّ من خلال النّاس ومن خلال المحبّة التي نبادله من خلالها غفرانه وصفحه!

هذا الأحد يشكّل مناسبةً لنشكر كلّ من:

  • الربّ يسوع لأنّه افتدانا ومنحنا الخلاص من تخلّع الخطيئة.
  • كلّ إنسانٍ حملنا إلى يسوع بعد أن كبّلتنا الخطيئة التي استسلمنا لها بعد حريّتنا الأولى وقادتنا إلى حالة التخلّع الرّوحيّ بعد أن مُنِحنا الخلاص بموت الربّ وقيامته.

فكلّ من يمدّ يده إلينا أو يرشدنا من جديد إلى درب التوبة، يشبه من حملوا المخلّع، في إنجيل اليوم، وأوصلوه إلى الربّ لينال الشّفائين: الداخليّ والخارجيّ.

لنصلِّ:

يا ربّ، أعطنا في حياتنا، قلباً من نار لك لنظلّ أمناء لدعوتك إلينا وعلى محبتّنا لك وقلباً من لحم مع الناس لنفهمهم ولنحبّهم وقلباً من فولاذ لنا لنحمل صليبك ولنتبعك بفرح، آمين.

اترك تعليقاً