الخوري نسيم قسطون:
في مطلع زمن الصوم، لا تدعونا الكنيسة إلى حزن قاتم، بل إلى فرحٍ أعمق يُنبت من تراب الوعي بفراغاتنا. فما حصل في عرس قانا (يوحنا 2: 1-11) ليس مجرد معجزة تحويل الماء إلى خمر، بل دعوة لرؤية أن ما نظنه كمالاً في حياتنا—النجاح، الملذات، الإشباعات السريعة—قد ينفد فجأة، تاركًا وراءه سؤالاً وجوديًّا: ما الذي يملأ القلب حين تجف ينابيع السعادة الأرضية؟
هنا يدخل الله ليس كمعاقب، بل كعريس يُكمِل الفرح الناقص بخمرٍ جديدة، ليست للسُّكر العابر، بل للامتلاء الذي لا يزول.
الصوم الحقيقي إذًا ليس تمرّنًا على الحرمان، بل تمرّسٌ على التمييز: ما الذي نجعله مركزًا لوجودنا؟ فنحن لا نصوم عن الشر—فالكذب والقسوة مرفوضان دومًا—بل نصوم عن الخيرات نفسها: الطعام اللذيذ، الراحة المفرطة، الانشغالات التي تستهلك وقت القلب.
نفعل ذلك لا لأنها شريرة، بل لأننا نريد أن نتحرر من سطوتها، لنصبح أحرارًا في محبة الله فوق كل شيء. في كل لحظة جوع، لا نتذكّر ما فقدناه، بل نتلمّس جوع القلب الأصلي إلى الوجود الذي يمنح الحياة معناها.
هذا التمرّن لا يكتمل إلا بثلاثية متكاملة: فالصلاة تحوّل الصمت الداخلي إلى حوار، والصوم يفرغ اليد من التعلّقات ليُمسكها الله، والصدقة تفتح الكفّ المغلقة لتتدفّق منها المحبة إلى المحتاج. لا نصوم لنُفرغ أنفسنا فراغًا عقيمًا، بل لنُخلّي مكانًا لله يملؤه، ثم نفيض بهذا الامتلاء على العالم. فالخمر الجديدة التي يمنحها الرب ليست للفرد المنعزل، بل لعرس الجماعة، لفرحة تُشارك لا تُحتكر.
المطلوب منا بسيطٌ وعميق: أن نأتي إلى الله بماء أيامنا العادية—بضعفنا، بروتيننا، بتعبنا—بدون تزيين أو تبرير.
لا نحتاج إلى أن نكون قديسين لنبدأ الصوم، بل نحتاج فقط إلى أن نكون صادقين في فقرنا الروحي. حين نملأ الجرار بما لدينا، مهما بدا عاديًّا أو ناقصًا، يفعل الله ما لا نستطيع: يحوّل الماء إلى خمر، والجوع إلى شبع، والفراغ إلى حضور.
أربعون يومًا قد تبدو قصيرة، لكنها كافية لأن تُعيد تشكيل القلب إن عشناها بوعي. فغاية الصوم ليست ما سنتخلّى عنه، بل الوجه الذي نراه في المرآة حين ننتهي: هل أصبحنا أقرب إلى الله؟ هل اتّسعت قلوبنا للآخر؟
حين ينتهي الزمن المقدّس، لا يهم كم أو كيف صُمنا بقدر ما هو مدى امتلاؤنا وكم فاضَت محبّتنا. هذه هي المغامرة: أن نخرج من الصوم لا بجسدٍ أخفّ، بل بروحٍ أكثر ثراءً بالله.
