الخوري نسيم قسطون:
في قرارة أنفسنا، نختبئ جميعًا خلف قناع قيافا (يوحنا 11: 47-54).
ذلك الرجل الذي وقف في المجمع ليعلن بثقة: “خير لنا أن يموت رجل واحد”. كان يعرف الحق، بل وتنبأ به، لكنه ظل أسير منطق الأرض: مصلحة هنا، خوف هناك، سلطة يجب الحفاظ عليها. كم مرة نكرر ذات الجريمة؟ نعرف الطريق المستقيم، لكننا نختار الالتفافات المريحة.
نقتل الله يوميًا بطرق لا توصف. نقتله عندما نؤجل لقاءه لأن مسلسلنا المفضل ينتظر. نقتله عندما نخاف من مديرنا في العمل فنخفي مسيحيتنا خلف جدار من الجبن. نقتله عندما نستغل رحمته كغطاء لتأجيل توبتنا: “معليش، الله يسامح”. نعامله كأكسسوار موسمي، نخرجه مع شجرة الميلاد ونعيده إلى المخزن مع انتهاء العيد. نهرع إليه حين “تبخعنا” الدنيا، وعندما تبتسم لنا نتناساه كأنه لم يكن.
المؤامرة التي حيكت في ذلك الأسبوع المقدس كانت قمة السخاء البشري: ظن الإنسان أنه يقتل مصدر إزعاجه، فإذا به يمهد لأعظم خلاص. حوّل الله المؤامرة إلى نعمة، والموت إلى حياة، والشتات إلى وحدة. هذه هي المفارقة الإلهية التي لا تستوعبها عقولنا المحدودة: ما تظنوه شرًا يمكن أن يتحول إلى خير إن وُجد من يحمل النعمة.
المشكلة أننا نظل أسرى المعرفة دون الإيمان. نعرف عن المسيح، نعجب بتعاليمه، نقدر تضحيته، لكننا لا نسمح له أن يلمس الأعماق. نبقى في دائرة العقل البارد، لا في دائرة القلب المتقد. نقرأ “أحبوا أعداءكم” فنشمئز، وننسى أننا كنا يومًا أعداء فأحبنا. نتمسك بـ”عصفور في اليد” الأرضي، ونخسر العشرة على الشجر السماوي.
في الصليب، انتحر الإنسان القديم. ذلك الذي يظن أنه يقتل الله يكتشف أنه يقتل نفسه. لأن الله لا يموت، لكن الإنسان يموت كلما ابتعد عن ينبوع الحياة. القيامة ليست حدثًا مضى، بل دعوة متجددة: أن ننهض من موت الأنانية، من برد اللامبالاة، من ظلمة العادة.
اليوم، وأنت تمشي في دروب أسبوع الآلام، اسأل نفسك: إلى متى تظل مترددًا بين طريقين؟ هل ستظل شريكًا في القتل الصامت، أم ستجرؤ على القيامة؟ هل تترك المحبة المطلقة تخترق دفاعاتك، أم تبقى في قوقعة المعرفة الباردة؟ القرار لك، والمسيح ينتظر.
