الأب تابت ترأس القداس الاسبوعي للشبيبة في بازليك سيدة لبنان

You are currently viewing الأب تابت ترأس القداس الاسبوعي للشبيبة في بازليك سيدة لبنان

ترأس الأب فادي تابت القداس الاسبوعي للشبيبة في بازليك سيدة لبنان- حريصا، والقى عظة بعنوان: “مَنْ لَمَسَ ثَوْبي” قال فيها: “في زِحامِ الطُّرُقاتِ، وبينَ أكتافِ الناسِ المُتدافعين، كانت امرأةٌ تمشي مُنكسرةَ القامة، مُتعبةَ الروح، حاملةً في جسدها نزفَ اثنتي عشرةَ سنة. اثنتا عشرة سنة… أي عمرُ انتظارٍ هذا؟ أي صلاةٍ طويلةٍ بلا جوابٍ ظاهر؟ أي نزفٍ صامتٍ لا يسمعه أحد؟”

وتابع: “لم يكن نزفُها جسديًا فقط، بل اجتماعيًا وروحيًا أيضًا. كانت الشريعةُ تعتبرها نجسة، والنجاسةُ تعني العزلة، والعزلةُ تعني موتًا بطيئًا في الداخل. كانت تنزف دمًا… وتنزف كرامة… وتنزف حضورًا في الجماعة. لكن الأعجوبة لم تبدأ حين شُفيت، بل بدأت حين قررت أن تقترب”.

وأضاف: “كثيرون في عالمنا ينزفون… ينزف بيتٌ بسبب خصامٍ طويل، تنزف عائلةٌ بسبب إدمانٍ خفي، ينزف شابٌّ بسبب يأسٍ لا يُقال، تنزف أمّةٌ بسبب ظلمٍ متراكم، وينزف قلبٌ لأنه فقد المعنى. النزفُ ليس دائمًا دمًا ظاهرًا. أحيانًا يكون نزفًا في الرجاء، أو في الطهارة، أو في الثقة، أو في الفرح”.

وأردف: “هذه المرأة تمثل كل إنسانٍ يستنزفه شيءٌ في الداخل. والإنجيل لا يخجل من تسمية النزف، بل يكشفه ليقول لنا: لا تخف من الاعتراف بجرحك. هي لم تطلب عظةً، ولا معجزةً علنية، ولا حتى كلمة. قالت في قلبها: “لو لمستُ ولو ثوبه شُفيت”. هنا يكمن عمقٌ لاهوتيٌّ جديد: إيمانُها لم يكن إيمانًا بالمعجزة، بل بشخصٍ يفيض منه الشفاء”.

ولفت إلى أن “الثوب في الكتاب المقدس ليس مجرد قماش. الثوب يرمز إلى الحضور، إلى الهوية، إلى الجسد الذي يلبس المجد الإلهي. فحين لمست طرف ثوبه، كانت تلمس الحدَّ الفاصل بين إنسانية المسيح ولاهوته؛ بين الجسد المنظور والنعمة غير المنظورة.

إنها لم تجرؤ أن تلمس الجسد… لكنها لمست ما يلامس الجسد. كم منَّا يظن أن الله بعيد؟ وكم منَّا يحتاج فقط إلى أن يمدّ يدًا صغيرة بإيمانٍ كبير؟”.

 وقال: “المسيح لم يسمح أن تبقى الأعجوبة سرًّا. سأل: «من لمسني؟» لماذا يسأل وهو يعلم؟ لأنه لا يريد شفاءً مجهول الهوية. يريد علاقة. هي أرادت شفاءً صامتًا، لكنه أراد خلاصًا معلنًا. هي أرادت أن تهرب، لكنه أراد أن يعيدها إلى الجماعة. قال لها: «يا ابنتي…» هذه الكلمة أعظم من الشفاء. «ابنتي» تعني أنك لستِ نجسة. «ابنتي» تعني أنك لستِ معزولة. «ابنتي» تعني أنك تنتمين. المسيح لم يوقف النزف فقط، بل أوقف العزلة”.

وقال: “في اللاهوت الجديد: الإيمان الذي يلمس. ليست المسألة في لمس الثوب، بل في نوعية اللمس. الجميع كانوا يزحمونه، لكن واحدة فقط لمسته. هناك فرق بين الاحتكاك بالمسيح ولمس المسيح. الاحتكاك هو عادةٌ دينية. اللمس هو قرارُ إيمان. قد نصلي كثيرًا، ونحضر قداديس كثيرة، ونسمع عظات كثيرة… لكن هل نلمس بإيمان؟ هل نقترب بجرحٍ حقيقي، أم نختبئ خلف الكلمات؟”.

وتابع: “الإيمان الذي يشفي ليس إيمانًا نظريًا، بل إيمانٌ يخرج من النزف. اليوم، عالمنا ينزف، ينزف عدالةً، ينزف سلامًا، ينزف طهارةً، ينزف معنى. نحاول أن نوقف النزف بوسائل بشرية فقط: اقتصاد، سياسة، قوة، إعلام… لكن النزف أعمق. العالم يحتاج إلى أن يلمس طرف ثوب المسيح. ليس بلمسةٍ جماعيةٍ سطحية، بل بقرارٍ داخليٍّ شجاع: «لو لمستُ ولو ثوبه…» أي لو عدتُ إلى الصلاة بصدق، لو تبتُ توبةً حقيقية، لو سامحتُ،  لو تركتُ ما ينجّس قلبي، لو وثقتُ به أكثر من ثقتي بالخوف”.

وختم: “في التعليم اليومي، لا تنتظر أن يُنادى اسمك أولًا، اقترب بإيمان. لا تجعل نزفك عذرًا للانسحاب، بل دافعًا للبحث عن المسيح. لا تخف أن يعترف المسيح بك أمام الجميع، حتى لو كشف جرحك. لا تكتفِ بلمسٍ سطحيٍّ، اطلب علاقة. حين نزفت تلك المرأة، نقص منها الدم، لكن حين لمست المسيح، خرجت منه قوة. اللاهوت العميق هنا: الله لا يخاف أن يُستنزف حبًا. المسيح لا يفتقر حين يعطي، بل يُظهر غناه. فلنمدّ أيدينا، نحن العالم النازف، ولنلمس طرف ثوبه بإيمانٍ بسيطٍ لكن حقيقي، لأن قوةً ما تزال تخرج منه… قوةٌ قادرةٌ أن توقف نزف الجسد، ونزف القلب، ونزف الأمم. «يا ابنتي… يا ابني… إيمانك خلّصك”.

اترك تعليقاً