في ظلّ واقعٍ يُثقل كاهل اللبنانيّين، بين غلاء معيشيّ وحرب تُلقي بظلالها على لبنان، يشعر كثيرون بالقلق وعدم يقين. ومع تزايد حركة النزوح نحو المناطق ذات الغالبيّة المسيحيّة بفعل الحرب الجارية، يجد المسيحيُّ نفسه أمام مشهد مؤلم وحرب لم يخترها. في هذا الإطار، تطلّ عبر «آسي مينا» الأخت باسمة الخوري، من الرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة، لتضيء على موقف الكنيسة من هذا الواقع الصعب، وتنقل دعوة الإنجيل إلى المؤمنين في زمن الخوف والاضطراب.
تقول الخوري: «دور الكنيسة أخلاقيّ، وروحيّ، وإنسانيّ، واجتماعيّ ووطنيّ. دورها الأوّل أخلاقيّ نبويّ يقوم على الوساطة والمصالحة، إضافةً إلى ما أنشأته من مؤسّسات إنسانيّة واجتماعيّة. ودورها يتمثّل أيضًا في الحفاظ على الهويّة والرَّجاء. لذلك ليس من عملها معالجة القضايا الاقتصاديّة كخفض الضرائب. المسيح كان يشعر بالآخرين وينصح تلاميذه والذين تبعوه بما عليهم فعله».
وتُتابِع: «يكمن الدور الأساسيّ للكنيسة وسط هذه المِحن في إعادة الرجاء والإيمان إلى الناس، فالشعب لم يمت من الجوع بل من اليأس، وكثيرون باتوا يجهلون مرجعيّتهم الروحيّة، ما يجعلهم بحاجةٍ إلى من يرشدهم في ضوء الإيمان وكلمة الله. هنا أتذكّر قول البابا فرنسيس: “الكنيسة مدعوّة لتكون مستشفى ميدانيًّا وسط آلام العالم”. لذا، على الكنيسة تعزيز الصلاة والرَّجاء والتمسّك بالله».
وتؤكّد: «يتجلّى الدور الأخلاقيّ النبوِيّ للكنيسة في الدفاع عن الكرامة الإنسانيّة ورفض التعصّب والطائفيّة وكلّ أشكال التحريض والعنف، لا سيّما على وسائل التواصل الاجتماعيّ، لأنّ صوت الكنيسة هو المحبّة، ودعوة المسيحيّ إلى رفض الانجرار وراء العنف والفساد، وإلى قبول الآخَر، لأنّ كلّ إنسانٍ مخلوق على صورة الله ومثاله. لم يُرِد المسيح يومًا الحرب أو الاضطهاد، ومع ذلك عرف المؤمنون منذ البدايات ضيقاتٍ كثيرة، كما يعبّر بولس الرسول: “حروبٌ من الخارج ومخاوف من الداخل” (2 كو 7: 5)».
وتردِف: «المسيحيّ مدعوٌّ إلى أن يرى في هذه الآلام مشاركةً في آلام المسيح، وأن يدرك أنّ رجاءه لا ينحصر في هذه الأرض بل يتّجه إلى الملكوت الآتي. وفي زمن الاضطهاد، لا يكون الردّ بالعنف، بل بالتمسّك بروح الإنجيل كما جاء عند متّى: “طوبى لفاعلي السلام، فإنّهم أبناء الله يُدعون” (متّى 5: 9). المسيحيّ لا يسعى إلى الحرب، لأنّ الخطر يبدأ عندما يُواجَه الشرُّ بشرٍّ مثله؛ أمّا المسيح فقد واجه العداوة بالمحبّة».
وتختِم الخوري: «دعوتنا اليوم هي أن نحبّ إخوتنا في الإنسانيّة كما فعلت الكنيسة الأولى. سلاح الرسُل كان ثقتهم بالله، والصلاة بلا انقطاع، والمشاركة في كلّ شيء. نحن مدعوّون إلى تقاسم الخبز مع الآخَر المتألّم، لأنّنا في النهاية جماعةٌ واحدة يجمعها الرجاء بالله».
د.امال شعيا، آسي مينا.
