عقدت الأكاديمية الديبلوماسية لجامعة الروح القدس – الكسليك محاضرتها الافتتاحية بعنوان “الديبلوماسية في نظام عالمي متغيّر”، ألقاها رئيس الأكاديمية ووزير الخارجية والمغتربين السابق الدكتور ناصيف حتّي، أدارها الكاتب والمحرر البارز في مركز “كارنيغي للشرق الأوسط” في بيروت مايكل يونغ، في حضور عدد من السفراء والديبلوماسيين والقائمين بالأعمال، إلى جانب أساتذة الجامعة وطلاب.
تأتي المحاضرة،بحسب بيان، إيذانًا بانطلاق سلسلة لقاءات شهرية تعالج أبرز القضايا الجيوسياسية الراهنة.
استهلّ الدكتور حتّي مداخلته بعرض للتحولات في بنية القوة العالمية، مشيرًا إلى الانتقال من الثنائية القطبية خلال الحرب الباردة، إلى “لحظة الأحادية القطبية” الاميركية، وصولًا إلى نظام تعدّدي معقّد ومتغيّر تتصاعد فيه أدوار قوى وسطى ناشئة في التأثير على مسار العلاقات الدولية. وأكد أن “التعددية الراهنة تتسم بتنوّع أكبر، إذ تعكس تباينات في المصالح والتصوّرات والأولويات الاستراتيجية، حتى بين دول المجموعة الواحدة”.
وتوقف عند جملة من التحديات الإقليمية والدولية، أبرزها التباينات داخل “الغرب” او “الشمال” بشأن ملفات كالحرب في أوكرانيا وملف غرينلاند، ما يكشف اختلاف الأولويات الوطنية، فضلًا عن الضغوط على الاتحاد الأوروبي، “حيث تهدد الفوارق السياسية والاقتصادية والأمنية بين دوله نموذج الاندماج الإقليمي الناجح، بالتوازي مع صعود أيديولوجيات متطرفة قائمة على هوياتٍ اصلية”.
واعتبر أن “التغير المناخي يشكّل تحديًا أمنيًا متعدد الأبعاد، لا سيما في منطقة البحر الأبيض المتوسط التي تربط بين ثلاث قارات: أفريقيا وآسيا وأوروبا”. ولفت إلى أن “العولمة المتسارعة أسهمت في تهميش مجتمعات أو فئات داخل مجتمعات، ما غذّى نزعات متطرفة وتوترات اجتماعية”.
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، وصف المنطقة بأنها “لا تزال تعيش ضمن مثلث من الأزمات و التوترات و الحروب، يمتد من الخليج مع الأزمة الإيرانية – الغربية، إلى منطقة البحر الأحمر، مع النزاعات المستمرة في السودان والصومال واليمن، بالاضافة إلى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي”.
وأشار إلى “استمرار وتصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية، فضلًا عن الانتهاكات المتواصلة لتفاهم وقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024 بين لبنان وإسرائيل”. وشدد على “التزام لبنان إحياء اتفاقية الهدنة لعام 1949 واحترام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة كإطار لتحقيق الاستقرار”.
ودعا إلى “مقاربة هذه التحديات عبر التعاون والواقعية والفهم الدقيق للتعقيدات”، مؤكدًا “أهمية الديبلوماسية الاستراتيجية والوقائية والاستباقية لاحتواء الأزمات قبل تفاقمها”.
وتوقف الدكتور حتّي عند تراجع فاعلية بعض الممارسات الديبلوماسية التقليدية في ظل الفوضى الدولية وتحوّل طبيعة التهديدات، مؤكدًا “ضرورة تكيّف الديبلوماسيين وتطوير مهارات وأدوات جديدة للتعامل مع البنية الدولية الناشئة”. وأشار إلى أن “القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف يواجهان تآكلًا متزايدًا، في ظل تصاعد منطق القوة، ما يهدد الاستقرار العالمي”.
كما لفت إلى “أهمية الديبلوماسية العامة أو غير الرسمية، بما فيها الانخراط الاقتصادي والثقافي والرياضي والسياسي، بوصفها رافدًا للديبلوماسية الرسمية، إذ تعزّز الحوار الديموقراطي، وتسهل التفاهم بين الشعوب، وتفتح مجالات جديدة للتعاون”.
وأشار إلى الدور المحوري للديبلوماسية الوقائية والاستباقية كنظام إنذار مبكر و«كاشف دخان» لمعالجة التوترات قبل انفجارها وحذّر من “تحديات تكنولوجية واستراتيجية ناشئة، لاسيما في مجالي القدرات النووية والفضاء السيبراني”، داعيًا إلى “تطوير أطر معيارية وتعاونية دولية لضبطها بشكل آمن”.
وشدد على أن “الديبلوماسية المعاصرة تتطلب مقاربة براغماتية ومرنة وشاملة، تراعي تنوّع الفاعلين والمصالح وتسارع وتيرة التحولات العالمية”.
وتناول الدكتور حتّي في ختام محاضرته دور الأكاديمية الديبلوماسية لجامعة الروح القدس – الكسليك، مشيرًا إلى رسالتها في إعداد جيل جديد من الدبلوماسيين وتعزيز التعاون الدولي. وأوضح أن “الأكاديمية توفّر منصة تدريبية للشباب والديبلوماسيين والمهنيين وممثلي المؤسسات الوطنية والإقليمية، من القطاعين العام والخاص، للتعلم النظري والتطبيقي وتبادل الخبرات”. ولفت إلى تركيز برامج الأكاديمية على المهارات العملية، لا سيما التفاوض والتواصل وممارسة الديبلوماسية الواقعية المستندة إلى خبرات تراكمت على مدى عقود. وأكد أن “الهدف تمكين المشاركين من التعامل بكفاءة مع عالم متعدد الأقطاب، معقّد وسريع التغيّر”.
خلص المحاضر إلى التأكيد أن “الديبلوماسية، الرسمية منها والعامة، مطالبة بالتطور لمواكبة نظام عالمي انتقالي تتراجع فيه فاعلية المؤسسات التقليدية وتتزايد فيه التحديات. ومن خلال الجمع بين المقاربات الوقائية والحوار الشامل والتدريب العملي، يمكن للديبلوماسيين والمؤسسات الإسهام في احتواء التحديات الإقليمية والعالمية، وترسيخ قيم التفاهم والتعاون والسلام”.
