الخوري نسيم قسطون:
في تلك الليلة التي سبقت الألم، اجتمع الربّ بتلاميذه في العلّية (لوقا 22: 1-23)، حاملاً لهم وصيّة الحبّ الأسمى. لم يكن مجرّد عشاء فصحيّ يهوديّ، بل كان موعداً مع الخلود، حيث انحنى ليغسل أقدامهم، معلّماً إيّاهم أنّ العظمة الحقيقيّة ليست في أن يُخدم الإنسان، بل في أن يخدم. ثمّ كسر الخبز وناولهم إيّاه قائلاً: “هذا هو جسدي يُبذل عنكم”، وناولهم الكأس قائلاً: “هذه هي دمي الذي يُسفك عنكم”. في تلك اللحظة، ولد سرّ الإفخارستيا، سرّ الحضور الإلهيّ الدائم في الكنيسة، وسرّ الكهنوت الذي يحفظ هذا الحضور عبر الأجيال.
“اصنعوا هذا لذكري” – لم تكن وصيةً عابرة، بل دعوةٌ لأن نجعل من حياتنا ذكرى حيّة لمحبّته. نحن مدعوّون ألّا نكتفي بحضور القداس كعادةٍ نؤدّيها، بل أن نتحوّل إلى قربانٍ حيّ، نكسر من أجل الآخرين كما كسر هو نفسه. المشكلة أنّنا، مع الأسف، حوّلنا الأعظم إلى روتينٍ ميّت. نأتي إلى الكنيسة، نتلو الصلوات، نتقدّم لنوال القربان، ثمّ نخرج لنعيش كما لو شيئاً لم يكن. ننسى أنّ “آمين” التي نقولها هي عهدٌ مع الله بأن نكون له، وأن نحمل محبّته إلى العالم.
يهوذا لم يخن بثلاثين من الفضّة فقط، بل بخيانته لجوهر العلاقة مع المعلّم. ونحن، كم مرّة نبيع ربّنا بأقلّ من ذلك؟ بمسلسلٍ نفضّله على الصلاة، بنومٍ نؤثر به على القداس، بزعلٍ سريعٍ نقطع به علاقاتنا مع إخوتنا، ببرودٍ يجعل من إيماننا عادةً لا حياة فيها. في بستان الزيتون، علّمنا يسوع معنى الصلاة الحقيقيّة: “لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك”. أمّا صلاتنا فغالباً ما تكون عكس ذلك: نريد مشيئتنا نحن، ونطلب من الله أن يباركها.
في خميس الأسرار، نقف أمام سرّ عظيم: إله يتواضع، يغسل أقدام تلاميذه، يعطي نفسه طعاماً وشراباً، يسلم ذاته لأجلنا. هذا الإله لا يطلب منّا تضحياتٍ كباقي الآلهة، بل هو الذي يضحّي بنفسه عنا. وكلّ ما يطلبه منّا أن نحبّ بعضنا كما أحبّنا، وأن نجعل من حياتنا إفخارستيا متجدّدة: خبزاً مكسوراً للجياع، ورجاءً لليائسين، وحضوراً محبّاً للمهمّشين.
إنّه يوم الدهشة المفقودة التي نحتاج أن نستعيدها: أن ننظر إلى القربان فلا نرى قطعة خبز، بل نرى الله الذي صار طعاماً لنا. أن ننظر إلى غسل الأقدام فلا نرى طقساً قديماً، بل نرى درساً في التواضع الإلهيّ. أن نقرأ الإنجيل فلا نرى قصصاً من الماضي، بل نرى رسالةً شخصيّة إلينا اليوم.
المسيح لا يزال يغسل أقدامنا كلّ يوم في وجوه إخوتنا الذين نخدمهم، في الصديق الذي يغفر، في الأمّ التي تمسح دموع طفلها، في الزوجة التي تشارك زوجها آلامه. “اصنعوا هذا لذكري” تعني: عيشوا كما عشت، أحبّوا كما أحببت، كونوا حضوراً كما كنت. فالإفخارستيا لا تنتهي عندما نقول “اذهبوا بسلام”، بل تبدأ عندما نخرج لنحمل هذا السلام إلى كلّ مكان.
لذلك، في هذه الليلة المقدّسة، نقف أمامك يا ربّ، معترفين بضعفنا وقساوتنا، سائلين أن تمنحنا نعمة الدهشة، وأن تجعل منّا تلاميذ أوفياء، لا يخونونك بقلوبهم ولا بأعمالهم. اجعل منّا خبزاً مكسوراً لإخوتنا، ودماءً تسفك من أجل المحبّة، وذكرى حيّة لك في هذا العالم. آمين.
