زمن الميلاد المجيد – أحد النسبة

 

الخوري نسيم قسطون:

تجسُّد المسيح، في نسبه الإنساني كما يرويه متى، هو انعكاس لشمولية الخلاص. فهو لم يأتِ من سلالة نقية مختارة بعيداً عن تعقيدات التاريخ البشري، بل من نَسَبٍ (متى 1: 1-17) يحمل تناقضاته ومفارقاته: فيه البار والخاطئ، الملك والعامل، المحلي والأجنبي. هذا التركيب المتعدد يعلن بوضوح أن تجسُّد الله لم يستثنِ شرطاً بشرياً، بل احتضن الكل ليقدس الكل. فالمسيح، ابن الله الوحيد، صار “ابن الإنسان” بامتياز، عاش تجربة البشرية كاملة إلا الخطيئة، ليعيد إلى الإنسان بهاء صورته الإلهية المفقودة.

غير أن هذا النسب يتوقف عند يسوع، ليبدأ خلق جديد. فلم يعد الانتساب بالدم هو المعيار، بل بالروح. النسل الجديد الذي أسسه المسيح هو نسل روحي، يُولد من إرادة الله ومن العمل بمشيئته. وهنا يصبح السؤال الشخصي الحتمي: هل نحن من هذا النسل؟ ليست الإجابة بنعم أو لا فحسب، بل هي دعوة متواصلة لملء هذا الانتساب بالحياة العملية.

إن قبول المسيح لماضيه البشري بكل تفاصيله، دون تنكر أو انتقاء، يقدم نموذجاً لعلاقتنا بجذورنا وتاريخنا. فهو لم يبطل ما سبق، بل أكمل. وهذا يتحدى نزعات القطع مع الماضي تحت شعارات التحرر، كما يتحدى أيضاً التمسك الحرفي بالمظاهر والطقوس الفارغة من الروح. المسيح يدعونا إلى توازن دينامي: أن نكون أمناء لجوهر الإيمان المتعالي عن الزمن، دون أن نغرق في حرفية جامدة، أو نرفض حكمة التطور المشروعة.

من جهة أخرى، يحذرنا الإنجيل من هوس المستقبل والقلق عليه، كما يحذر من الاستغراق في التحسر على ماض لن يعود. التركيز الحقيقي يجب أن يكون على الحاضر، على “اليوم” حيث تُعاش مشيئة الله. فالمسيحي مدعو لأن يعيش بشجاعة الحاضر، عاملاً بمحبته، شاهداً لإيمانه دون خجل، كما لم يخجل المسيح من نسبه البشري ولا من ضعف الصليب.

وهكذا، يصبح انتسابنا الروحي ليسوع مشروطاً بمدى تشبّهنا به في قبول واقعنا الإنساني بكل أبعاده، وفي قدرتنا على تحويل هذا القبول إلى قوة خلاقة تخدم الآخرين. إن كانت سلسلة نسب المسيح قد جمعت المختلفين تحت هدف الله الخلاصي، فإن مهمتنا اليوم هي أن نكمل هذه السلسلة الروحية، بأن نكون حلقة حية توصل محبة الله وخلاصه إلى عالمنا. الخلاصة ليست في الأسماء التي مضت، بل في الحياة التي نعيشها الآن، والتي تجعلنا، حقاً، من نسل المسيح.

اترك تعليقاً