عندما تأتي الجراح من الداخل

You are currently viewing عندما تأتي الجراح من الداخل
المطران تيودور الغندور-
هناك جراح يُلحقها بنا العالم بسهولة: الظلم، العنف، الإهمال. لكن هناك جراحًا أخرى، أكثر صمتًا وأحيانًا أعمق، لم تأتِ من العالم، بل من الكنيسة… أو على الأقل مما ادّعى أنه يتكلم باسم المسيح.
كثيرون يحملون في داخلهم آثار كلمات سمعوها من على المنابر، أو في قاعات التعليم، أو في اللقاءات الرعوية. عظات ركّزت فقط على الخوف، والدينونة، والإدانة. خطاب قدّم الله كمن يترصّد الإنسان، مستعدًا دائمًا للعقاب. بالنسبة للبعض، لم يُنتج هذا توبة حقيقية، بل شللًا روحيًا. لم يولّد ندمًا حيًا، بل خجلًا وقلقًا وهروبًا.
عندما يُبنى الإيمان فقط على الخوف، تتشوّه صورة الله في داخلنا. يتوقف عن أن يكون أبًا، ويبدو كمُدّعٍ أو قاضٍ بلا رحمة. وهكذا، ما كان يجب أن يقودنا إلى حضنه، يدفعنا بعيدًا عنه. ليس لأن المسيح أخفق، بل لأن وجهه حُجب بكلمات لم تنبع من قلبه.
لكن الكتاب المقدس يكشف لنا وجهًا آخر. المسيح لا يَظهر كقاضٍ غاضب يتغذّى على سقوط الخاطئ، بل كراعٍ صالح يعرف خرافه بأسمائها، يذهب وراء الضائعة، ويحمل الجريحة على كتفيه، لا ليسحقها، بل ليشفيها. هو نفسه يقول إنه لم يأتِ ليدين العالم، بل ليخلُص به العالم.
في الروحانية الأرثوذكسية، لم تُفهم الخطيئة يومًا كخطأ قانوني فقط، بل كمرض في النفس. وإذا كان هناك مرض، فما ننتظره من الطبيب ليس الإدانة، بل الشفاء. الآباء القديسون يتكلمون عن المسيح كطبيب ينزل إلى عمق ضعف الإنسان، يلمس الجراح، ويعيد ما انكسر. الطبيب لا يُهين المريض لأنه جريح، بل يعالجه.
لهذا، عندما تنشأ الجراح داخل الخبرة الكنسية، لا ينبغي إخفاؤها أو إنكارها، ولا تحويلها إلى مرارة دائمة. يجب وضعها أمام المسيح. بصدق، وبألم، وربما بدموع. وبصلاة بسيطة وعميقة: «يا رب، لا تسمح أن يُقسّي هذا قلبي. لا تدع قسوة البشر تسرق مني رحمتك».
المسيح ليس صوت الخوف الذي يُشلّ. هو الصوت الذي يناديك باسمك. الصوت الذي يقول: «لا تخف»، «قُم»، «اذهب بسلام». هو لا يلغي الحقيقة، بل يكشفها دائمًا متّحدة بالمحبة. لا يهوّن من الخطيئة، لكنه لا يفصل التوبة أبدًا عن الرجاء. حيث يمرّ، لا تُدمّر الحقيقة، بل تشفي.
غالبًا ما يبدأ النضوج الروحي عندما نستطيع التمييز بين المسيح وصوره المشوّهة التي صُنعت عنه. عندما نجرؤ على تعلّم الإنجيل من جديد بعيون القلب. عندما نسمح للراعي الصالح أن يقودنا مرة أخرى، حتى بعد أن نكون قد جُرحنا داخل الحظيرة.
الكنيسة، في جوهرها العميق، ليست مكان قمع الضمير، بل مكان اللقاء مع الله الحي. حيث نُسي هذا، وُجدت جراح حقيقية. لكن لا واحدة منها خارج قدرة القيامة. عندما تُقدَّم للمسيح، يمكن أن تتحوّل من مصدر قساوة إلى طريق رحمة، وتواضع، وشفاء.
لأن الذي يخلّصنا في النهاية ليس الخوف، بل المحبة التي تعيد بناءنا.

اترك تعليقاً