في قلب الأراضي الوسطى من بنما، وتحديدًا في موقع إل كانو بمنطقة ناتا، على بُعد نحو مئتي كيلومتر جنوب غربي مدينة بنما، أزاح علماء الآثار الستار عن قبرٍ يعود عمره إلى ما بين ثمانمئة وألف عام، حاملاً في جوفه حكاية مجتمعٍ كاملٍ منسيّ.
الاكتشاف، الذي جاء في إطار حفريات تتعلّق بالمجتمعات التي سكنت المقاطعات الوسطى بين القرنين الثامن والحادي عشر، كشف عن بقايا بشرية دُفنت بعناية، وأُحيطت بمقتنياتٍ ثمينة: سواران، وقرطان، وقلادة صدرية مذهّبة تزيّنت بأشكال خفافيش وتماسيح، إلى جانب فخاريات مزخرفة بنقوش دقيقة.
وأوضحت الباحثة جوليا مايو، المسؤولة عن فريق التنقيب، أنّ الرفات المدفونة مع الذهب تعود إلى الشخص الأعلى مرتبةً في المجموعة، ما يدلّ على انتمائه إلى نخبةٍ اجتماعية مرموقة. فالمقتنيات لم تكن زينةً عابرة، بل رمزًا للمكانة والسلطة، ودليلًا على نظامٍ اجتماعيٍّ هرميٍّ كان قائمًا في تلك الحقبة.
ويُظهر القبر، بما احتواه من رموزٍ وطقوس دفنٍ مهيبة، أنّ تلك المجتمعات لم تنظر إلى الموت باعتباره نهايةً مطلقة، بل انتقالًا إلى مرحلةٍ أخرى تُصان فيها المكانة الاجتماعية للفرد. فالذهب الذي رافق الجسد لم يكن للزينة فحسب، بل كان رسالةً عقائديةً تعبّر عن إيمانٍ باستمرارية الدور والمقام بعد الرحيل.
من جهتها، أكّدت وزارة الثقافة البنمية أنّ هذا الاكتشاف يمثّل محطةً علميةً بالغة الأهمية لدراسة مجتمعات ما قبل الحقبة الإسبانية في أميركا الوسطى، مشيرةً إلى أنّ موقع إل كانو استُخدم كمكانٍ للدفن على مدى قرنين تقريبًا، ما يجعله شاهدًا صامتًا على تعاقب أجيالٍ صنعت تاريخ المنطقة قبل أن تُدوَّن صفحاته.
هكذا، يعيد قبرٌ واحد صياغة فهمنا لماضٍ بعيد، ويذكّرنا بأنّ تحت طبقات التراب تنام حضاراتٌ كاملة، تنتظر من يُنصت إلى ذهبها الصامت وعظامها الناطقة.
