الخوري نسيم قسطون:
ليس القديسون من قاطني البروج العاجيّة، ولا القداسةُ انفصالًا عن نبض الحياة ودقائقها. بل هي ذروةُ الانصهارِ بين الإيمان والواقع، حيث يُصبح المألوفُ مُقدَّسًا، ويُشرقُ العادي بنورٍ غير عادي. ففي قلب ضجيج العالم وصخبه، يولد الصمتُ الداخلي؛ وفي خضم العلاقات المتشابكة، تُبنى جسورُ المحبة.
لطالما نظر البشر إلى السماء كغاية بعيدة، تُرتَقَى إليها بطقوسٍ استثنائية وأعمالٍ ضخمة.
لكن إنجيل هذا الأحد (متى 25: 31-46) يأتي ليقلب هذه الصورة: فالملكوت لا يُفتَح بمفاتيحَ من ذهبٍ أو شعائرَ متكلفة، بل بنظرة حنانٍ تُخفِّفُ وجعًا، وكلمة رجاءٍ تُضيء ظلمة، ويدٍ تمتدُّ إلى ضعيفٍ دون انتظارٍ لمقابل. القداسةُ، إذن، ليست في أن تُضيفَ إلى حياتك أمورًا جديدة، بل في أن تعيشَ ما أنت فيه بروحٍ جديدة.
المحبة التي يدعونا إليها المسيح ليست انفعالًا عابرًا، بل قرارٌ يوميٌّ بالتجسيد. إنها تُمسي قداسةً حينما تتغلغل في نسيج علاقاتنا الأكثر حميميةً وتعقيدًا: في صبر الأهل على تقلبات الأبناء، وفي قدرة الأبناء على فهم هموم الآباء، وفي احتواء الزوجين لبعضهما رغم تباين الطباع. ها هنا، في هذا المخْبرِ اليوميّ، تُصْهَرُ الأنانيةُ ويتشكَّلُ القلبُ الجديد.
حتى في ساحة العمل، حيث تتصارع المصالح وتتنازع المنافع، يمكن للقداسة أن تُزهر. إنها لا تعني الهروبَ من التنافس، بل ممارسته بشرفٍ وعدالة. إنها تتجلى في احترام الوقت والجهد، في الأمانة على التفاصيل، وفي التعامل مع الزملاء كشركاء في الإنسانية قبل أن يكونوا منافسين في الرزق.
وما المجتمع إلا رقعةٌ أوسعُ لهذا البذار الروحي. فالمشاركة في أفراح الناس وأتراحهم، والمساهمة في قضايا الخير العام، ليست “أعمالًا تطوعية” فحسب، بل هي تعبيرٌ عن انتماءٍ أعمق: انتماءٌ إلى جسدٍ إنسانيٍّ واحد، يشترك في الألم والأمل.
يخطئ من يظن أن الطريق إلى الله تتجاوز الإنسان. فاليدُ التي تمسح دمعةَ حزين، هي ذاتها التي تلمس حافةَ الثوب الإلهي. والقلبُ الذي ينفتح على حاجةِ جارٍ أو غريب، هو ذاته الذي يتسع لاستقبال النعمة. ليست القداسةُ هروبًا من البشر، بل غوصٌ في أعماق إنسانيتنا المشتركة، لنجدَ هناك بصمةَ الخالق.
في النهاية، ليس المطلوبُ أن نصبح أبطالًا خارقين، بل أن نكون بشرًا بكل ما تحمله الكلمة من عمقٍ ومسؤولية. القداسةُ ليست لقبًا يُمنح، بل مسيرةٌ تُسلك. تبدأ من حيث نحن، وتستمرُّ بخطواتٍ صغيرةٍ لكنها واثقة: بكلمة طيبةٍ نرفعها، وبصمتٍ حكيمٍ نحتضنه، وبغفرانٍ نمنحه حتى قبل أن يُطلَب. حينها فقط، نكتشف أن السماء ليست مكانًا نصل إليه، بل حقيقةٌ نعيشها هنا والآن، في كلِّ خيارٍ يحمل نسمةَ المحبة والرحمة.
