أحد القيامة

You are currently viewing أحد القيامة

الخوري نسيم قسطون:

في الفصح لا نقف أمام ذكرى بعيدة، بل أمام دعوة شخصية تمسّ قلب الإنسان وحياته كلّها. فالقيامة لا تعني فقط أنّ الموت لم تكن له الكلمة الأخيرة مع المسيح، بل تعني أيضًا أنّ كلّ ما فينا يبدو منطفئًا أو مثقلًا أو مكسورًا يمكنه أن يبدأ من جديد. نحن كثيرًا ما نعيش من الخارج حياةً عاديّة، فيما في الداخل تعبٌ صامت، وندمٌ قديم، وخوفٌ من التغيير، واستسلامٌ لأمور اعتدناها حتى صارت تسجننا. لذلك يأتي نور القيامة لا ليزيّن حياتنا من الخارج، بل ليبدّلها من الداخل، ويعيد ترتيب ما تشوّه فينا، ويوقظ ما ظننّاه مات إلى الأبد.

القيامة تبدأ حين يكفّ الإنسان عن الهرب من نفسه. حين يعترف بأنّ بعض ما يثقله ليس سببه العالم وحده، بل أيضًا قساوة قلبه، أو كبرياؤه، أو تأجيله المستمرّ لما يعرف أنّه حقّ وخيّر. ليست المشكلة دائمًا في أنّ الله بعيد، بل في أنّنا نملأ أيامنا بما يجعلنا غير قادرين على الإصغاء إليه. ومن هنا، يصبح العبور إلى حياة جديدة ممكنًا عندما نترك ما يشدّنا إلى الوراء: خصامًا لم نرد أن ننهيه، أو خطيئة اعتدنا تبريرها، أو برودة روحية أقنعتنا بأنّها أمر طبيعي. القيامة هي أن نرفض هذا الاعتياد، وأن نختار أن نبدأ من جديد ولو بخطوة صغيرة وصادقة.

ومن يلتقِ بالمسيح القائم لا يبقى كما كان. يتغيّر نظره إلى الله، فلا يراه ديّانًا ينتظر سقوطه، بل أبًا يفتح له الطريق كلّما عاد. ويتغيّر نظره إلى الآخرين، فلا يعود يحاكمهم من ضعفهم، بل يتعلّم أن يرافقهم برحمة. ويتغيّر نظره إلى الألم، فلا يراه نهاية المعنى، بل مكانًا يمكن أن يولد فيه رجاء أعمق. فالقيامة لا تلغي الجراح فورًا، لكنّها تمنعها من أن تكون خاتمة القصة.

لهذا، لا يُقاس صدق إيماننا بما نقوله في الأعياد فقط، بل بما نصنعه بعد انقضاء الاحتفال: هل نصير أكثر سلامًا؟ أكثر قدرة على الغفران؟ أكثر أمانة في الصلاة؟ أكثر محبّة في البيت والعمل والكنيسة؟ إن كانت القيامة حقًّا قد لامست حياتنا، فلا بدّ أن يظهر ذلك في بساطة يومنا، وفي الطريقة التي نحمل بها الآخرين، وفي الرجاء الذي لا ينطفئ عند الشدائد.

الفصح إذن ليس مناسبة عابرة، بل بداية جديدة. هو نداء لأن يخرج الإنسان من ضيق نفسه إلى فسحة الله، ومن منطق الهزيمة إلى ثقة البنين، ومن حياة مؤجّلة إلى حياة مملوءة معنى. وعندما نقبل هذه الدعوة بصدق، لا تبقى القيامة خبرًا نعلنه، بل تصبح حياةً نحياها.

المسيح قام!

اترك تعليقاً