الخوري نسيم قسطون:
زيارة العائلة المقدسة للهيكل، والطفل يسوع في الثانية عشرة من عمره (لو 2: 1-20)، تضع أمامنا مرآةً صادقة. ففي الوقت الذي التزمت فيه تلك العائلة بالذهاب إلى بيت الربّ، حتى مع وجود المسيح نفسه بينها، نتساءل: أين نضع نحن لقاءنا الأسبوعي في الكنيسة؟ هل هو التزام حيوي نحرص عليه، أم مجرد عادة اجتماعية بلا روح؟ المشهد يكشف حقيقة مزدوجة: فالطفل الذي جاء ليصير “ابناً للشريعة” هو نفسه ربّها. جاء ليتعلّم من الشيوخ، فإذا به يعلّمهم. هذه المفارقة تلمس نقطة جوهرية في إيماننا: فكثيراً ما نبحث عن الحكمة والحياة في مصادر خارجية، بينما نهمل المنبع الأصلي، كلمته الحيَّة وأسراره الني تُقدَّم لنا في حفلة المحبّة الإفخارستية.
الابتعاد عن الكنيسة له مبرراته الظاهرية في نظرنا: ضعف البشر داخلها، انشغالات الحياة، أو مجرد الفتور. لكن الخطر الأعمق يقع علينا نحن. فبالابتعاد، لا نُضعف مؤسسةً فحسب، بل نفصل أنفسنا عن الجسد الذي نحن أعضاء فيه، وفق صورة مار بولس. الكنيسة تبقى حية بربّها، أما الموت الروحي فيتسلل إلى قلوبنا وعلاقاتنا عندما نختار الغربة عن بيتنا الروحي. فالموت هنا هو موتنا نحن، لا موت الكنيسة التي أسسها المسيح.
يقدّم لنا يوسف ومريم درساً بليغاً: لم يستغنيا عن الذهاب إلى الهيكل بحجة أن الله معهما في البيت. لقد أظهرا أن العلاقة مع الرب، حتى مع المعرفة الشخصية، تحتاج إلى التعبير الجماعي والطاعة المُحبة ضمن الجماعة. هذا يدفعنا لإعادة النظر في أولوياتنا: هل نعتبر الكنيسة ملاذاً روحياً جوهرياً، أم مكاناً ثانوياً؟ لقاء الأحد، حيث نلتقي بالرب في الكلمة والقربان، هو عطية لا تعوّض. إنه اللقاء الذي يوحدنا بالله وبعضنا بعضاً بشكل فريد، وبدونه يذبل إيماننا تدريجياً.
لذلك، فإن الدعوة اليوم هي دعوة إلى العودة الواعية. عودة إلى الكنيسة كبيت روحي، وإلى الأحد كيوم نستعيد فيه تركيزنا على الله. كما أن عائلة الناصرة كانت “كنيسة صغرى” تسير نحو الهيكل، مدعوون لنجعل من عائلاتنا بيوتاً تُغذي الإيمان، حيث ينمو الأطفال على محبة الله والانتماء إلى جماعته. بهذه العودة نحيي إيماننا، ونقوي جسد الكنيسة، ونساهم في ازدهار شجرة الإيمان لأجيال قادمة.
