أصداء الذاكرة

You are currently viewing أصداء الذاكرة

أقيمت في الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى في بيروت، أمسية موسيقية استثنائية بعنوان “أصداء الذاكرة”، بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس،  قدمته الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق – عربية بقيادة المايسترو الدكتور عبد الله المصري، بمشاركة الفنانة هدى جمال وكورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار، في ​حضور فاعليات ثقافية واجتماعية ووجوه فنية وموسيقية.

قدمت الاحتفال المستشارة الإعلامية في المعهد ماجدة داغر، والقت كلمة باسم رئيسة المعهد “التي تغيبت بسبب وجودها خارج البلاد، والتي أرسلت تحياتها للحضور معبرة عن تقديرها الكبير للمايسترو المصري على مستوى التأليف الموسيقي، وعلى مستوى قدراته الموسيقية التي تضفي أبعادا مختلفة للأوركسترا الشرق – عربية، حيث أعلنت أن المعهد سيستضيفه في حفلات مقبلة لقيادة الأوركسترا، كما سيكون ضيف الفلهارمونية الوطنية التي ستؤدي موسيقاه”.

ثم قدمت داغر المايسترو قائلة:”يسعدنا استضافة القامة الفنية اللبنانية الكبيرة الدكتور عبدالله المصري، صاحب الرؤية التحديثية في الموسيقى العربية، ومؤلف الأعمال السمفونية المتميزة، والكونشرتوهات والقصيد السمفوني، بالإضافة إلى الكثير من الأعمال لموسيقى الحجرة التي قدمت ضمن برامج العديد من المجموعات الموسيقية والأوركسترالية في أوروبا وأميركا وفي بعض الدول العربية. كما تم تقديم مؤلفاته السمفونية ضمن برامج أعرق الأوركسترات، وهو الحائز على أرفع الأوسمة الأكاديمية من روسيا والقاهرة وغيرهما”، واعلنت ان “لغة المصري الموسيقية تتميز بالتجديد السمعي المستوحى من صميم المزاج العربي اللبناني، في ابتعاد عن الموسيقى التجريبية السائدة”.

اشارة الى ان قيادة المايسترو، تجلت بوصفه المؤلف الموسيقي الذي أعاد ابتكار المادة اللحنية للبرنامج الموسيقي الرحباني بمعظمه، إعدادا وصياغة أوركسترالية، بنهجه المتفرد في التوزيع الحديث، مقدما قراءة أوركسترالية مغايرة للأعمال الرحبانية مع الحفاظ على أصالة الهوية. و​توسع المصري في استغلال طاقات الأوركسترا، محولا الأغنية القصيرة إلى لوحة صوتية  تعتمد على تعدد الأصوات (Polyphony) والهارموني. كما برع في الحفاظ على الروح الشرقية للآلات، مع إحاطتها بجدار صوتي أوركسترالي عالمي، مما جعل المستمع يشعر وكأنه أمام عمل كلاسيكي عالمي كتب بمداد شرقي أصيل. إن رؤية المصري الفلسفية التي ترفض “التجريب السطحي” انحازت في هذه الأمسية إلى “التوافق السمعي المريح”، محققة معادلة صعبة بين النخبوية الأكاديمية والقبول الشعبي.

وقد​ ​جاء برنامج الحفل كبناء درامي متصاعد، اختاره المايسترو بعناية ليعكس تطور الموسيقى اللبنانية. انطلق الحفل ب “مقدمة موسيقية” لزياد الرحباني وضعت الجمهور في حالة من التآلف الروحي، قبل أن تبدأ الرحلة مع روائع الأخوين رحباني مثل “شايف البحر شو كبير” و”نسم علينا الهوى” و”قديش كان في ناس”. والأعمال الأخرى، التي صاغ شعرها الأخوين رحباني وجوزف حرب ولحن بعضها فليمون وهبه، لم تقدم بنمطها التقليدي، بل ألبست حلة أوركسترالية أبرزت مكامن الشجن والقوة فيها. كما كان لمدرسة زياد الرحباني حضور طاغ من خلال “كيفك أنت” و”سألوني الناس” و”الحالة تعبانة يا ليلى”. استطاع المصري من خلال توزيعه أن يبرز “التمرد اللحني” لدى زياد، محولا إياه إلى حوارات آلاتية شيقة، لا سيما في أغنية “من يوم اللي تكون يا وطني الموج” التي لامست شغاف الروح الوطنية الصادقة.

​​من جهة ثانية، أثبتت الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق – عربية أن باستطاعتها أن تصل إلى أبعاد جديدة ومختلفة، وتحديدا عندما تكتب لها أعمال من هذا المستوى والنوع، فقدمت برهانا على تفوقها الاحترافي، لاسيما أنها اعتادت أن تؤدي أعمالا أكثر بساطة. فتمكنت في هذه الأمسية من الانتقال إلى فضاء جديد ومغاير أوصلتها إليه كتابة المايسترو المصري المهمة والمختلفة.  وكان عازفو الوتريات والنفخ والإيقاع في حالة تناغم تام، حيث برزت الصولات (Solos) الفردية لبعض الآلات الشرقية كأنها همسات في أذن الزمان. ​أما كورال القسم الشرقي في الكونسرفتوار، فكان صاحب حضور تميز بضبط المخارج الصوتية والقدرة على الانتقال بين المقامات الشرقية الصعبة ضمن القالب الأوركسترالي.

اما الفنانة هدى جمال، بصوتها الذي يجمع بين المخملية والمرونة التقنية، فقد ادت بقدرة واحتراف، أمام الأوركسترا وتوزيعات الدكتور عبد الله المصري. في أغنية “شايف البحر شو كبير” و”بكرم اللولو”، أظهرت جمال قدرة على التحكم في “الديناميكيات” الصوتية، من الهمس الرقيق إلى الدرامية العالية، فاستطاعت أن تملأ فضاء الكنيسة بإحساس طربي أصيل، مبتعدة عن الاستعراض ومقتربة من جوهر التعبير الغنائي الراقي. وتركت “أصداء الذاكرة” عند جمهورها ذاكرة جديدة للأمسيات الراقية والفن الأصيل والموسيقى الجادة، وكان تفاعل الحضور بمثابة استفتاء على نجاح رؤية الكونسرفتوار الوطني صرحا عالميا يجمع بين التراث والحداثة، وأنه سيظل الحصن الأبرز للثقافة والجمال في هذا الشرق.

اترك تعليقاً