احتفلت الجامعة الأميركية في بيروت بافتتاح عامها الدراسي الجديد، في قاعة “أسمبلي هول”، في حضور أمنائها وأفراد هيئتها التعليمية وموظفيها وطلابها ومتخرجيها وأصدقائها.
وعقب الموكب الرسمي، ألقى رئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري الكلمة الافتتاحية بعنوان: “عن المشقات ونقاط التحول”، تناول فيها مراحل تمتد من تأسيس الجامعة في العام 1866 إلى ظهور الذكاء الاصطناعي، وعاد مرارا إلى فكرة “ضرورة تعلم كل جيل في الجامعة لغة عصره”.
واستذكر خوري بدايات الجامعة، فأشار إلى أن “الرئيس المؤسس للجامعة دانيال بلس افتتح الصف الدراسي الأول في الكلية السورية البروتستانتية، التي أصبحت لاحقا الجامعة الأميركية في بيروت في 3 كانون الأول 1866، بحضور 16 طالبا متحمسا للعلم. وكانت اللغة العربية لغة التدريس حينها، بصفتها اللغة المشتركة في المنطقة، على الرغم من أن الطلاب كانوا مطالبين بإتقان اللغة التركية العثمانية أو الفرنسية كذلك، إلى جانب اللغة الإنكليزية”.
وقال: “منذ بداياتها، أدركت الجامعة الأميركية في بيروت أمرا لا يزال صحيحا اليوم وهو انه قد تتغير لغات التدريس، لكن الحاجة إلى تعلم لغات العصر لا تتغير. ولغة الحاضر هي الذكاء الاصطناعي. ورسالة الجامعة تتمثل بمساعدة أسرتها على إتقان تلك اللغة. الذكاء الاصطناعي والحوسبة، كالتصميم والفنون الجميلة والعلوم الإنسانية، أصبحا لغتين أساسيتين للتجربة الإنسانية”.
وصاغ خوري تلك الفكرة باعتبارها “مسألة إلمام بلغة العصر، لا مسألة كفاية، وقال: “إنني أجبر نفسي وانا في عقدي السابع من العمر، على تعلم هذه اللغات الجديدة التي أثق بأنها ستدوم، وأستكشف حاليا عدة المبتدئين في الذكاء الاصطناعي، وهي دورة لنيل شهادة في أساسيات الذكاء الاصطناعي أعدها مركز عبد الله الغرير للتعليم والتعلم الرقمي في كلية مارون سمعان للهندسة والعمارة في الجامعة. أما السبب، فهو أن الجامعة مدينة لأولئك الذين يتلقون العلم فيها”، وقال: “إذا كان علينا المساعدة في توجيه طلابنا وهيئتنا التعليمية وموظفينا في خلال تجربتهم التحولية والتحررية في الجامعة الأميركية في بيروت، فإننا مدينون لهم على الأقل بالإلمام بلغة التواصل المشتركة لعصرنا، كما ألزم بلس طلابه بالإلمام بلغة عصرهم. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يعد لغة، فستبقى القراءة لغة في حد ذاتها”.
وروى خوري كيف أمضى الفترة الصيفية في قراءة ما يزيد عن ستة كتب وأكثر من 150 مقالا متبعا الأسلوب التقليدي، وقال: “إن القراءة تمنح مزيجا فريدا من التبصر والرضا والشعور بالذنب والترقب، لا يمكن للملخصات التي تنتجها الأدوات التكنولوجية استنساخه”.
ثم تناول الخطاب الذي أسماه “المهمة الأساسية الملقاة على عاتق الطلاب”، وقال: “التفكير النقدي هو الغاية الأسمى للتعليم العالي، وربما حتى علة وجود المؤسسة الأكاديمية. ومع سهولة الحصول على المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن المهم، ليس مجرد تعلم المزيد، بل تعلم كيفية التفكير، مستعينين بما تتعلمونه”.
وأشار إلى أنه “لا يوجد، حتى ضمن أي مجال منفرد، إجماع على ما يتطلبه التفكير النقدي”، مستنتجا أن “ذلك يكمن في عين الناظر إلى حد كبير”.
وبهدف إيضاح كيفية تبلور مثل هذه القدرات وترسخها، استند خوري إلى “كتاب مالكوم غلادويل “انتقام نقطة التحول”، وفكرته التي تتلخص في أن بلوغ حد معين من الزخم أمر ضروري من أجل تحقيق تحول نوعي. والطلاب، كذلك، سيبلغون تلك النقطة، سواء من حيث العدد أو المعرفة أو الثقة بالنفس، وصولا إلى نقطة الرضا المهني حيث تتقاطع كفاياتكم مع شغفكم”.
ثم استعرض الخطاب ملحمة “الأوديسة” للشاعر هوميروس كنموذج للتفكير النقدي. فكان أكثر ما أثار إعجابه في شخصية أوديسيوس، “ليس ذكاؤه فحسب، بل قدرته على تحمل رحلة طويلة ومحفوفة بانعدام اليقين والمشقة في الغالب، دون أن يفقد وجهته التي كان يحاول الوصول إليها”.
ثم اتجه خوري إلى مفهوم الحنكة (ميتيس) لدى الإغريقيين القدامى، والذي يعني “القدرة على قراءة الظروف والارتجال وتمييز الفرص وتغيير الاستراتيجية حين تتطلب الظروف ذلك”، وقدم ذلك المفهوم كتصور “لما يجب أن يغرسه التعليم في الجامعة الأميركية في بيروت”، وقال: “هذه هي إحدى الهدايا التي آمل أن يقدمها لكم التعليم في الجامعة الأميركية في بيروت”، موضحا أنه لا يقدم خريطة ثابتة للعالم “بل القدرة على شق الطريق في عالم سريع التطور”.
واختتم كلمته متوجها إلى أسرة الجامعة ومتحدثا عن العام الجديد، الذي “سيكون عاما سيخوضه الطلاب والهيئة التعليمية والموظفون والمتخرجون والأصدقاء، كل في مسعاه الفردي، وسيكون مليئا بالآلهة والوحوش والأبطال والأشرار والمآسي والانتصارات”.
ولفت الى أن “كل فرد سيخرج منه أكثر إرهاقا وحكمة وسيكون قد أصبح إنسانا أفضل بفضل تلك الرحلة”، وتمنى خوري لأسرة الجامعة، مقتبسا كلمات بوب ديلان التي كان قد أهداها إلى وودي غوثري، “عاما دراسيا عامرا بالصحة والانغماس، مبهجا ومتعبا وعظيما في المحصلة، ومليئا ببعض السفر الشاق أيضا”.
