الأحد الثاني بعد عيد الدنح

You are currently viewing الأحد الثاني بعد عيد الدنح

الخوري نسيم قسطون:

تُسمَع في حياتنا الروحيّة شكوًى مألوفة: “الربّ لا يُصغي”. ولكنّ إنجيل اليوم (يوحنا 1: 35-42) يقلب السؤال: المشكلة ليست في الله، بل في كيفيّة بحثنا عنه!

كثيرًا ما نبحث حيث لا يمكن أن نَجِد، أو نختزله في ممارساتٍ روتينيّة تفتقد الحرارة. فكيف نجد الربّ إن كنا بعيدين عن كلمته، أو عن قربانه، أو عن أخينا الإنسان؟ قد نكون حاضرين في الكنيسة، لكنّنا غائبون عن هموم الناس. أو نغرق في النشاط الاجتماعيّ بينما حياتنا الداخليّة جافة. إنّها دعوةٌ إلى التوازن.

لا يكفي أن نتبع المسيح من بعيد، بل نُدعى، مثل التلميذَين، إلى الدخول في منطقه: “تَعَالَيَا وأنْظُرَا”. هذه الدعوة البسيطة تحمل عمق اللقاء الحقيقيّ. لم يكتفِ التلميذان بالنظر، بل “أَقَامَا عِنْدَهُ ذلِكَ اليَوم”. هناك، في صحبته، استوعبا هويّته، حتى انطلق أندراوس فورًا ليبشّر أخاه: “وَجَدْنَا مَشيحَا”. لقد تحوّل اللقاء من فضولٍ إلى يقينٍ مُغيّر.

 

أمّا نحن، فتمرّ أيّامٌ كثيرة نلتقي فيها الربّ في الصلاة أو القربان، ولا نشعر بذلك الدفء والتغيير. ربّما اعتدنا حضوره، فأصبح اللقاء واجبًا اجتماعيًّا في إطارٍ روحيّ. لكنّ الإيمان ليس عادةً ميكانيكيّة. إنّه علاقةٌ حيّة تتجدّد كلّ يوم. علينا أن نُعيد إلى لقائنا روح التجدّد، أن نخرج من أحكامنا المسبقة وآرائنا لنبحث عن الله حيث يقيم حقًّا، لا حيث نريده نحن أن يكون.

فأين يقيم؟ هو القائل: “لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ”. إنّه حاضرٌ في عمق كلمته المقدّسة، وفي سرّ القربان، وفي وجه الفقير والمحتاج. معرفته الحقيقيّة تأتي من هذا الاقتراب المتوازن: صلاةٌ صامتةٌ تسمع، ومعرفةٌ عميقةٌ بكلمته، وعملٌ محبّةٍ مجّانيّ.

حينئذٍ نصبح، مثل أندراوس، شهودًا فرحين. لا نكتفي بالعيش معه، بل نحمله إلى العالم. يتحوّل لقاؤنا من حوارٍ ذاتيّ إلى رسالة. نكتشف أنّ الربّ لا “يُطنِّش”، بل يعمل من خلال القلب المتواضع المنفتح. هكذا نصير وجهه الناظر إلى العالم، ونورًا يحمل السلام الذي لا يزول.

اترك تعليقاً