الخوري نسيم قسطون:
إنجيل زكّا العشّار (لوقا 19: 1-10) يضعنا أمام سؤالٍ عمليّ جدًّا: كيف يتحوّل شوق داخليّ إلى فعلٍ ملموس يغيّر حياة الإنسان ومن حوله؟
زكّا لم يكتفِ بالرغبة، بل حوّلها إلى خطوات: ركض، تسلّق، وترك من حوله ينظرون إليه في وضعٍ لا يليق بمركزه. هذا يعلّمنا أنّ الإيمان الحقيقيّ لا يبقى في دائرة المشاعر، بل يترجم نفسه في أفعالٍ قد تبدو للناس غريبة أو حتّى مُهينة. كم من مرّة نُحجم عن خطوةٍ نحو الله أو نحو المصالحة مع أحدٍ لأنّنا نخشى نظرة الآخرين أو حكمهم علينا؟ زكّا يذكّرنا بأنّ الخلاص أحيانًا يبدأ بقرارٍ نتّخذه رغم إحراجنا الشخصيّ.
الملفت أيضًا أنّ يسوع لم ينتظر من زكّا وعودًا أو التزامات مسبقة كي يدخل بيته. الدعوة جاءت أوّلًا، والتغيير جاء لاحقًا كنتيجة طبيعيّة للقاء لا كشرطٍ له. في حياتنا العمليّة، غالبًا ما نضع شروطًا مسبقة على أنفسنا قبل أن نسمح لله أو للآخرين بالاقتراب منّا: “سأصلح حياتي أوّلًا، ثمّ أعود إلى الكنيسة”، أو “سأعتذر حين أشعر أنّني مستعدّ تمامًا”. لكنّ زكّا يقلب هذا المنطق: يفتح بيته أوّلًا، فيتغيّر قلبه لاحقًا.
خطوة زكّا العمليّة الثانية تكمن في وضوح قراره: نصف الأملاك للفقراء، وأربعة أضعاف لمن ظلمهم. لم يكتفِ بكلامٍ عامّ عن الندم، بل حدّد أرقامًا وأشخاصًا. هذا درسٌ عمليّ لكلّ من يريد أن يصحّح مسارًا في حياته: التوبة الحقيقيّة لا تكتفي بالشعور بالذنب، بل تسأل: من الذي تأذّى منّي تحديدًا؟ وما الذي يمكنني أن أفعله الآن، لا غدًا، لأصلح ما أفسدته؟
وفي هذا السياق، يستحقّ الانتباه أنّ زكّا اختار العطاء والتعويض دون أن يُطلب منه ذلك رسميًّا. لم يكن هناك من يراقبه أو يفرض عليه شروطًا للمصالحة. فعله جاء من قناعة داخليّة، لا من ضغطٍ خارجيّ. وهذا يفتح بابًا للتأمّل في نيّاتنا حين نقوم بأعمال الخير: هل نفعلها لأنّنا اقتنعنا بها من الداخل، أم لأنّ الظروف أو الناس يفرضونها علينا؟
أخيرًا، يسوع لا يصف زكّا بأنّه “أصبح بارًّا” بل يقول إنّ الخلاص “صار” لبيته، أي أنّ التحوّل شمل عائلته ومحيطه، لا شخصه فقط. هذا يذكّرنا بأنّ أيّ تغيير حقيقيّ في حياتنا لا يبقى محصورًا فينا، بل يمتدّ أثره إلى من حولنا: أهلنا، جيراننا، من نتعامل معهم يوميًّا.
فالسؤال العمليّ الذي يتركه لنا هذا الإنجيل ليس “هل أؤمن؟” بل: ما هي الخطوة الملموسة، والاسم المحدّد، والفعل الواضح الذي عليّ القيام به اليوم، لا غدًا، كي يصبح إيماني ثمرًا يلمسه من حولي؟
