الخوري نسيم قسطون:
بعد القيامة، لم يقترب يسوع من بطرس ليحاسبه على الماضي، بل ليعيد بناءه من الداخل. لم يفتح معه ملفّ السقوط بقدر ما فتح أمامه باب الرجاء. لذلك جاء السؤال بسيطًا في لفظه وعميقًا في وقعه: “أتحبّني؟”. لم يكن المقصود أن يعرف الربّ ما يجهله، فهو العارف بالقلب، بل أن يقود بطرس إلى الاعتراف بما بقي حيًّا فيه بعد الانكسار: المحبّة التي لم تمت، وإن ضعفت تحت ضغط الخوف.
تكرار السؤال لم يكن جرحًا جديدًا، بل علاجًا لذاكرة مثقلة بالإنكار. في كلّ مرّة يجيب فيها بطرس، كان يستعيد نفسه شيئًا فشيئًا، وكأنّ الربّ ينتشله من صورة التلميذ الذي سقط إلى صورة الراعي الذي دُعي من جديد. وهكذا تحوّل الندم إلى رسالة، والحزن إلى تكليف، والضعف إلى بداية أخرى أكثر تواضعًا وصدقًا.
لكن يسوع لم يقدّم لبطرس دعوة مريحة. فالمحبّة التي يطلبها ليست عاطفة تُقال، بل أمانة تُعاش. لذلك ربطها مباشرة بالرعاية: إن كنت تحبّني، فاعتنِ بإخوتك. هنا يتّضح أن محبّة الله لا تبقى محصورة في الصلاة والكلام، بل تظهر في الصبر، والخدمة، والرحمة، وحمل أعباء الآخرين. لا يستطيع أحد أن يزعم قربه من الربّ إذا كان قلبه مغلقًا أمام الإنسان المتعب أو الجريح أو المحتاج إلى كلمة حياة.
ومن جهة أخرى، يكشف الإنجيل أنّ السير وراء المسيح لا يلغي صعوبة الطريق. فبطرس الذي نال الغفران لم يُعفَ من الكلفة، بل دُعي إلى اتّباع سيقوده إلى البذل الكامل. بهذا يعلّمنا الربّ أنّ التجديد الحقيقي لا يعني الهروب من الواقع، بل قبول الرسالة بكلّ ما فيها من تعب وثبات وتضحية. الإيمان ليس وعدًا بحياة سهلة، بل وعدًا بحضور أمين يرافقنا في كلّ ما نواجهه.
من هنا يصبح هذا اللقاء مرآة لكلّ مؤمن. كم مرّة ضعفنا، أو صمتنا حين كان يجب أن نشهد، أو اخترنا أنفسنا بدل الحقّ، أو اكتفينا بإيمان نظريّ لا يلمس أحدًا؟ ومع ذلك، لا يقترب منّا الربّ ليغلق الباب، بل ليسألنا من جديد عن جوهر العلاقة. لأنّ البداية الجديدة لا تقوم على كمالنا، بل على صدق جوابنا. ما يطلبه منّا ليس تاريخًا بلا عثرات، بل قلبًا يعود إليه.
وحين يجيب الإنسان من عمقه، ولو بصوت مكسور، يسمع الكلمة التي تختصر الطريق كلّها: “اتبعني”. أي لا تبقَ أسير ما كان، ولا تخف ممّا سيأتي، بل سرْ معي. فالمسيح لا يدعو الكاملين فقط، بل الذين سمحوا لمحبّته أن تغيّرهم. لذلك، إن كان الماضي يثقلك، فلا تجعله الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة هي للربّ الذي ما زال يسأل، وما زال يغفر، وما زال يفتح أمامك طريقًا جديدًا يبدأ بالمحبّة ويكتمل بالأمانة.
