ليلى نقولا-
تكشف التطورات الإقليمية الراهنة، ولا سيما احتدام التنافس الأميركي–الإيراني، وما يتصل به من سجالات لبنانية حول التفاوض مع إسرائيل ومستقبل السياسة الخارجية اللبنانية وحدود القرار السيادي، عن أزمة تتجاوز في جوهرها حدود الخلاف السياسي التقليدي. لم تعد المسألة اللبنانية تتعلق بصراع بين قوىً تتنافس على السلطة ضمن إطار وطني متفق عليه، بل بصراع بين تصورات متباينة للدولة نفسها ولموقع لبنان في النظام الإقليمي. وهذا ما يجعل الأزمة أقرب إلى أزمة تأسيسية سياسية مستمرة منها إلى أزمة حكم عابرة.
بالتوازي مع كل توتر إقليمي، تتجدد الأسئلة الأساسية نفسها في لبنان: من يحدد المصلحة الوطنية؟ ومن يمتلك شرعية تعريف التهديدات والفرص؟ وما المرجعية النهائية للقرار السيادي؟ إن تكرار طرح هذه الأسئلة يكشف أن لبنان لم ينجح، رغم مرور أكثر من قرن على تأسيس دولته الحديثة، في بناء إجماع سياسي مستدام حول معنى الدولة ووظيفتها وموقعها الجيوسياسي.
الجماعتية الجديدة اللبنانية
في هذا السياق، يكتسب مفهوم “الجماعتية الجديدة”، الذي بلوره المفكر العربي عزمي بشارة، أهمية لفهم طبيعة التفاعلات السياسية اللبنانية المعاصرة. ولا يقصد بشارة بهذا المفهوم مجرد استمرار الانتماءات الطائفية أو الأهلية التقليدية، بل تحوّل الجماعات إلى وحدات سياسية منظمة تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها داخل الدولة وخارجها. وفي هذا السياق يعتبر أن “الجماعتية الجديدة” باتت مصدر تهديد حقيقي للدولة الحديثة، كونها ظاهرة تشكّلت في خضم صراع على الدولة ومواردها قد يبلغ حدّ المسّ بالدولة ذاتها.
وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يتجاوز التفسيرات الشائعة التي ترد الأزمة اللبنانية إلى مجرد عيوب دستورية أو في بنية النظام الطائفي فحسب، بل في طبيعة المجال السياسي ذاته. إذ إن الجماعات اللبنانية لم تعد تتنافس فقط على حصصها في النظام أو على إدارة الدولة، بل على تعريف الدولة نفسها وتحديد غاياتها. وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في التجربة اللبنانية: فكلما ازدادت الدولة ضعفًا، ازدادت الجماعات قوة؛ وكلما تعززت الجماعات بوصفها مصادر للحماية والتمثيل، تراجعت قدرة الدولة على التحول إلى مرجعية جامعة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يتحول كل استحقاق إقليمي إلى لحظة اختبار للنظام اللبناني. فالتنافس الأميركي–الإيراني، على سبيل المثال، لا يخلق الانقسام اللبناني من العدم، بل يكشف البنية العميقة التي يقوم عليها، إذ تنظر الجماعات المختلفة إلى الحدث الإقليمي من خلال تصوراتها الخاصة للأمن والشرعية. ويظهر ذلك بوضوح في التباين بين القوى اللبنانية حول قضايا التفاوض بين لبنان وإسرائيل، والعلاقة مع ايران ودور سلاح حزب الله. في كل من هذه الملفات لا يقتصر الخلاف على الخيارات السياسية الممكنة، بل يمتد إلى تعريف مصادر التهديد وأولويات الأمن الوطني وحدود القرار السيادي نفسه.
فشل إنتاج “معنى مشترك”
يمثل الواقع اللبناني مثالاً على التعثر في عملية الانتقال من الجماعة السياسية الجزئية إلى الأمة السياسية الجامعة. لا تقوم الدولة الحديثة فقط على احتكار وسائل القوة المشروعة كما عند ماكس فيبر، بل تقوم أيضًا على احتكار إنتاج المعنى السياسي “المشترك بين الحكام والمحكومين” (بحسب بشارة في كتاب الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار). بهذا المعنى، تكون من مهام الدولة الحديثة القدرة على صياغة سردية وطنية تجعل المواطنين ينظرون إلى المصالح العامة بوصفها متقدمة على ولاءاتهم الفرعية. أما عندما تفشل الدولة في إنتاج هذا المعنى المشترك، فإن المجال السياسي يتحول إلى فضاء تفاوض دائم بين جماعات تتعامل مع الدولة باعتبارها ساحة توزيع للموارد والنفوذ أكثر من كونها إطارًا جامعًا للمواطنة.
في الحالة اللبنانية، تبدو السياسة الخارجية الساحة الأكثر وضوحًا لتجليات هذه المعضلة. في الدول المستقرة تُعد السياسة الخارجية امتدادًا للمصلحة الوطنية المتوافق عليها داخليًا. أما في لبنان، فإنها غالبًا ما تتحوّل إلى انعكاس لخريطة الانقسامات الداخلية والارتباطات الإقليمية، وتصبح قضايا السياسة الخارجية موضوعات وجودية تمس هوية الجماعات السياسية نفسها، لا مجرد ملفات سياسات عامة قابلة للتفاوض والتعديل بحسب تصورات التهديد ورؤية الدولة لمصالحها الوطنية.
ولا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية في تعدد الجماعات بحد ذاته، بل في عجزها جميعًا عن إنتاج تصور وطني جامع للدولة، كما عجزت الدولة نفسها عن إنتاج هوية سياسية تتجاوز الانتماءات الجزئية. وهكذا يستمر التوازن بين الجماعات على حساب تشكيل مرجعية وطنية مشتركة.
ولعل أخطر ما يترتب على هذا الوضع هو أن مفهوم المصلحة الوطنية نفسه أصبح محل نزاع لأن كل جماعة لها تصوراتها الخاصة لتلك المصلحة. وعليه، عندما تصبح المصلحة الوطنية موضوعًا للخلاف لا إطارًا له، تتعذر بلورة مشروع استراتيجية أمن قومي طويلة الأمد أو صياغة سياسة خارجية مستقرة ومستقلة.
تأسيساً على كل ما سبق، يمكن فهم لماذا تبدو التسويات اللبنانية المتعاقبة هشة بطبيعتها، إذ أنها – غالبًا – لا تقوم على توافق عميق حول المبادئ المؤسسة للدولة، بل على توازنات ظرفية بين الجماعات المختلفة. وعليه، ما إن تتبدل البيئة الإقليمية حتى تتعرض هذه التسويات للاهتزاز، لأن ما كان يوحد الأطراف هو إدارة الخلاف لا تجاوزه.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى تاريخ لبنان المعاصر بوصفه سلسلة من التسويات المؤقتة التي تعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها جذريًا. وعليه، إن تجاوز الأزمة اللبنانية الحالية يجب ألا يقتصر على تعديل التوازنات بين الجماعات أو إعادة توزيع السلطة، بل يقتضي إعادة بناء المجال السياسي على أساس مفهوم جامع للمواطنة والدولة، بحيث تصبح المصلحة الوطنية مرجعية يحتكم إليها المختلفون، بدلاً من أن تبقى موضوعًا دائمًا للاختلاف.
