الخوري نسيم قسطون:
في صمت الجلجلة، حيث توقف الزمن للحظة، مات الله.
نعم، مات الإله المتجسد، لكن هذا الموت لم يكن هزيمة كما بدا للعيون الجسدية، بل كان أعظم انتصارات المحبة. لقد علق على الخشبة من أحب البشرية حتى النهاية، ليحول الموت نفسه إلى باب للحياة (يوحنا 19: 31-37).
لماذا اختار الله هذه الطريقة؟ لأنه أراد أن يقول شيئًا لا تدركه العقول المحدودة: أن القوة الحقيقية تكمن في الضعف الظاهر، وأن الانتصار الأعمق يأتي من الهزيمة المحتملة. لقد تخطى كل المنطق البشري ليحقق ما يتجاوز الزمان والمكان.
في ذلك اليوم، كان الجميع أدوات في مسرحية الخلاص دون أن يدروا. يهوذا بخيانته، رؤساء الكهنة بحقدهم، بيلاطس بجبنه، الجنود بقسوتهم – كلهم ظنوا أنهم يصنعون نهاية، لكنهم كانوا يمهدون لبداية جديدة. حتى الجندي الذي طعن جنبه أخرج لنا دمًا يطهر الأرض وماءً يرويها رجاءً.
نحن اليوم نقف أمام الصليب. كثيرون منا يملؤون الكنائس في هذا اليوم، وكأننا جئنا فقط لنتأكد من موته. لكن الصليب لا يريد متفرجين، بل يريد مشاركين. إنه يدعونا لنرى في كل متألم وجهه المتألم، وفي كل محتاج صورته المصلوبة. سمعان القيرواني لم يختر حمل الصليب، لكنه حمله فصار قدوة لكل من يحمل عن يسوع صليب الآخرين.
من على الصليب، فتح لنا كنوزًا لا تفنى: من جنبه خرج الدم والماء، رمزًا للأسرار التي تغذي الكنيسة. أعطانا أمه لتحضن كل سائل، وأعطانا روحه ليكون لنا معينًا. وفي لحظة موته، كان يفيض حنانًا على أمه وتلميذه الحبيب.
لكن الصليب يطرح علينا سؤالًا مصيريًا: أي موت نختار؟ لأن الموت ليس حدثًا واحدًا في التاريخ. إنه يتكرر كل يوم حين نرفض الغفران، حين نتجاهل الجائع، حين نعبد أصنام المال والجسد. في تلك اللحظات، نكون كالذين يصلبون المسيح ثانية.
ولكن، كما أن موته لم يكن نهاية، كذلك موتنا الروحي يمكن أن يتحول إلى قيامة. اللص التائب على الصليب سمع الكلمة الخلاصية: “اليوم تكون معي في الفردوس”. هذا يعني أن الباب مفتوح دائمًا لمن يريد العودة.
الصليب الآن فارغ. الجسد نزل عنه، لكن رسالته باقية: هذا مقدار حبي لكم. إنه يدعونا أن نموت عن كبريائنا، عن أنانيتنا، عن خطايانا، لنقوم معه لحياة جديدة. حين ننظر إلى الصليب، لا نرى أداة إعدام، بل منارة ترشدنا إلى درب الخلاص.
فلنقف اليوم مع مريم ويوحنا تحت الصليب، لنشبع من مجده المجروح. ولنحمل مع سمعان صليب من حولنا، بإبتسامة، بكلمة تعاطف، بيد تمتد. لأننا إن متنا معه، سنقوم معه. وإن حملنا الصليب معه، سنرث الملكوت.
في هذه الجمعة العظيمة، لنهتف معًا: “ليكن موت ابنك حياة لنا جميعًا”!
