تذكار سلاسل مار بطرس الرسول: قراءة تاريخية–لاهوتية في سفر أعمال الرسل

You are currently viewing تذكار سلاسل مار بطرس الرسول: قراءة تاريخية–لاهوتية في سفر أعمال الرسل

يرتبط تذكار سلاسل مار بطرس الرسول بحدث محوري يرويه سفر أعمال الرسل، ويعكس مرحلة دقيقة من تاريخ الكنيسة الأولى في ظل الاضطهاد. فقد جاء في أعمال الرسل (الفصل 12) أنّ هيرودس الملك، سعيًا إلى استرضاء اليهود، بسط يده على بعض أعضاء الكنيسة، فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف، ثم ألقى القبض على بطرس الرسول خلال أيام الفطير، وأودعه السجن تحت حراسة مشدّدة من أربعة أرابع من الجنود، عازمًا على تقديمه إلى الشعب بعد عيد الفصح.

ويصف النص الكتابي بُعدًا لاهوتيًا بالغ الدلالة، إذ يؤكد أنّ الكنيسة كانت تصلي من أجل بطرس بلا انقطاع، في مقابل القيود المادية التي كبّلته بسلسلتين وهو نائم بين جنديين. وفي ذروة هذا المشهد، يتجلّى التدخل الإلهي من خلال ملاك الرب الذي أيقظ بطرس وأمره بالنهوض، فسقطت السلسلتان من يديه، وانفتحت أبواب السجن تباعًا، حتى باب الحديد المؤدي إلى المدينة، الذي انفتح من تلقاء ذاته. وعندئذ أدرك بطرس يقينًا أنّ ما جرى لم يكن رؤيا، بل خلاصًا فعليًا أرسله الله لينقذه من يد هيرودس.

تكتسب السلاسل التي قيِّد بها بطرس أهمية رمزية وروحية عميقة في التقليد الكنسي، إذ أصبحت شاهدًا ملموسًا على قدرة الله على تحرير الإنسان من قيود الاضطهاد والخوف. وقد حُفظت هاتان السلسلتان في روما، حيث أمرت الملكة أودكسيا سنة 439 بإنشاء كنيسة خاصة لحفظ هذه الذخائر وتكريمها، عُرفت باسم كنيسة القديس بطرس في السلاسل، تمييزًا لها عن الكنيسة الكبرى المكرّسة للرسول نفسه.

وتشير المصادر الكنسية، ولا سيما شهادة الحبر الأعظم القديس غريغوريوس الكبير، إلى أنّ الله أجرى معجزات عديدة بواسطة هذه السلاسل، ما عزّز مكانتها في الوجدان المسيحي. كما جرى تقليدٌ كنسي تمثّل في قيام الأحبار الأعظمين بإهداء الملوك المسيحيين ذخائر مأخوذة من برادة هذه السلاسل، تعبيرًا عن البركة، وتأكيدًا على وحدة الإيمان بين الكنيسة والسلطة الزمنية في التاريخ المسيحي.

اترك تعليقاً