الخوري نسيم قسطون:
في أسبوع الآلام المقدّسة، نقف أمام مرآة نادرة تكشف لنا حقيقة علاقاتنا: مع الله، مع الآخرين، مع ذواتنا.
ليس أسبوع الآلام مجرد ذكرى لحدث قديم، بل هو كشف مستمرّ عن أعماقنا، يكسر القناعات الوهمية التي نبنيها لأنفسنا.
كم مرّة ظننّا أنّ قربنا من الله يُقاس بعدد الصلوات، أو حضور المناسبات الدينية، أو الانتماء الظاهري إلى جماعة المؤمنين؟ هذه كلّها قد تتحوّل إلى قشور نختبئ خلفها، بينما القلب بعيد، مشغول بصفقاته الصغيرة مع السماء. نتعامل مع الله أحيانًا كما نتعامل مع نافذ في السلطة: نرتاد مجالسه، نتردّد على أبوابه، فقط لنضمن حظوةً عند الحاجة. لكنّ الله لا يحتاج إلى محسوبيات، ولا يقيم وزنًا لشهادات انتساب لا تعكس حياةً متغيرة.
الأمر نفسه يتكرّر في علاقاتنا الإنسانية. نحتفظ بأشخاص في حياتنا نعدّهم “أوّلين”، نمنحهم وقتنا واهتمامنا، فإذا تغيّرت الظروف أو انشغلت قلوبهم بمسارات جديدة، شعرنا بالخذلان. نظنّ أنّ كلّ ابتعاد هو خيانة، وكلّ تغيّر هو جحود. لكنّ أسبوع الآلام يعلّمنا أن هناك ابتعادًا ضروريًا للنضوج، كما يبتعد الفرخ عن عشّه ليحلّق. هناك انفصالات لا تحمل شرًّا، بل تحمل في طياتها نموًّا. وبالمقابل، هناك من يطعنون حين نكون بأمسّ الحاجة إلى سندهم. المفارقة أننا أحيانًا نخلط بين النوعين، فنتّهم الأبرياء ونبرّر الخونة.
هذا الأسبوع يدعونا إلى تمييز أدقّ: أن نرى وجوه الناس كما هي، لا كما نتمنّاها. أن نقبل أنّ الحبّ لا يعني التملّك، وأنّ المسافة قد تكون أحيانًا تعبيرًا عن ثقة متبادلة، لا عن جفاء. لكنّه في الوقت ذاته يطلب منّا ألّا نبرّر لمن تخلّوا عنّا عند المحكّ. هناك فرق بين من يرحل ليحيا، ومن يرحل تاركًا جرحًا.
وإذا كان هذا صعبًا في علاقاتنا الأفقية، فكم بالأحرى في علاقتنا مع الله؟ نظنّ أنّ أيّام الألم دليل على هجرانه، وأنّ غياب المعجزات يعني إغلاق الأبواب في وجهنا. ننسى أنّ إلهنا اختار أن يتألم، لا أن يلغي الألم. اختار أن يكون معنا في العمق، لا أن ينتشلنا من السطح. ألمه ليس ضعفًا، بل تضامنًا. ليس عقابًا، بل محبّة تأبى أن تتركنا وحدنا في معاناتنا.
هذا هو الباب الضيّق (لوقا 13: 22-30): أن نرى المحبّة حيث لا نرى سوى الألم. أن نثق بالحضور حيث نشعر بالفراغ. أن نبقى أوفياء لمن ابتعدوا، ولمن بقوا، ولله الذي لا يبتعد أبدًا. الباب الضيّق ليس مدخلًا إلى الجحيم، بل ممرّ ولادة جديد. هو قرارنا بأن نكون صادقين، لا متدينين بالبروباغندا. أن نحبّ بلا حساب، لا أن نعبد تاجرًا ينتظر المقابل.
في النهاية، لن يُسأل أحد عن صلواته، بل عن قلبه. ليس عن انتسابه، بل عن محبّته. لأنّ المحبّة وحدها هي التي تبقى حين ينهار كلّ شيء. وهي وحدها التي تجعلنا نعبر من الموت إلى الحياة، ليس في نهاية الأيام فقط، بل في كلّ لحظة نختار فيها أن نحبّ كما أَحَبّ.
