يُعدّ خليل بيدس (1874 – 1949) أحد أبرز روّاد النهضة الأدبية والثقافية في فلسطين، فهو كاتب وأديب ومترجم، ومن أوائل الذين نقلوا الأدب الروسي إلى اللغة العربية في بلاد الشام، إذ ترجم أعمالًا لكبار الأدباء الروس أمثال تولستوي وبوشكين، وأسهم في إثراء المكتبة العربية بأعمال أدبية وفكرية جديدة.
وُلد بيدس في مدينة الناصرة عام 1874، لعائلة تنتمي إلى حمولة “خليف”، وتلقى تعليمه الأول في المدرسة الأرثوذكسية في الناصرة، قبل أن يلتحق بالسيمنار الروسي الذي أنشأته الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، حيث أتقن اللغة الروسية وتعمّق في آدابها، ما أهّله لاحقًا لإدارة المدارس الروسية في سوريا وفلسطين.
برز بيدس في مجالات التربية والصحافة والأدب، فتولى إدارة عدد من المدارس في مدن عدّة، ثم انتقل إلى حيفا عام 1908، حيث أسس مجلة “النفائس” التي أصبحت لاحقًا “النفائس العصرية” بعد انتقالها إلى القدس. وشكلت المجلة منبرًا ثقافيًا مهمًا شارك فيه كبار الأدباء والمثقفين في فلسطين وبلاد الشام والمهجر، كما أنشأ مكتبة غنية بالمخطوطات والكتب النادرة قبل أن تتعرض للنهب خلال أحداث النكبة عام 1948.
ويُعتبر خليل بيدس رائد الرواية الفلسطينية الحديثة، إذ صدرت له رواية “الوارث” عام 1920، التي تُعد من أوائل الروايات الفلسطينية المكتملة فنيًا. كما ألّف وترجم العديد من الكتب في الأدب والتاريخ والتربية، ومن أبرز ترجماته أعمال مستوحاة من الأدب الروسي، بينها مؤلفات لتولستوي.
إلى جانب نشاطه الثقافي، كان بيدس حاضرًا في الحياة الوطنية، فدافع عن حقوق العرب الأرثوذكس، وشارك في الحركة القومية العربية. وخلال الحرب العالمية الأولى واجه حكمًا بالإعدام بسبب مواقفه السياسية، قبل أن يُخفف الحكم إلى السجن. كما عارض الانتداب البريطاني ووعد بلفور، وشارك في التحركات الوطنية في القدس عام 1920.
كان لخليل بيدس دور تربوي وثقافي بارز، ومن مآثره تشجيع عدد من المواهب الأدبية، ومن بينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة، الذي وجّهه إلى الدراسة في السيمنار الروسي بالناصرة بعد أن اكتشف نبوغه.
بعد نكبة عام 1948، غادر بيدس القدس وانتقل إلى بيروت حيث توفي عام 1949، تاركًا إرثًا أدبيًا وثقافيًا كبيرًا جعل منه واحدًا من رواد الأدب الفلسطيني الحديث، ورمزًا للتواصل بين الثقافات العربية والروسية.
