في زمن تتلاحق فيه الأزمات وتثقل كاهل الوطن، تبقى جامعة سيّدة اللويزة وفيّةً لرسالتها، مؤمنةً بأنَّ الثقافة والفن ليسا ترفًا بل ضرورة وجوديَّة.
فكما رفض تشرشل أن تُميت بريطانيا روحها بيدها حين أبى تقليص ميزانية الفن وسط نيران الحرب، ترفض الجامعة أن تستسلم لما يحاول النيل من أحلام شبابها.
ومن هذا المنطلق، التقى موقع “شرقنا” بمستشار رئيس الجامعة الدكتور أنطوان فرحات، الذي كشف عن الدوافع والرسائل التي تقف وراء هذه المبادرة السنويَّة، مؤكداً أن الجامعة ليست مجرد صرح أكاديمي، بل شريك وجداني يقف إلى جانب طلابه في أصعب اللحظات، ساعياً إلى أن تكون أحلام الشباب كبيرة، وقلوبهم مشدودة إلى هذا الوطن أينما حلّوا، لأن لبنان لا ينهض إلا بهم وعلى أكتافهم.
ما الدوافع التي تقف وراء تنظيم هذا الحفل الفني في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان؟
الدوافع بسيطة، وقد انطلقت منذ أربع سنوات، حين كانت الأزمة في طبيعتها الماليَّة تختلف شكلاً عن أزمتنا الراهنة، غير أنَّها تبقى واحدة من أزمات عدة طالما عانى منها لبنان. وانطلاقاً من ذلك، رأينا أنَّ من واجبنا أن نتخذ كل مبادرة ممكنة نقف من خلالها إلى جانب شبابنا وشاباتنا، ونساعدهم على مواصلة تحصيلهم العلمي بجودة عالية.
كيف تندرج هذه المبادرة ضمن جهود الجامعة لدعم الطلاب نفسياً ومعنوياً في ظل تداعيات الحرب والأزمات المتتالية؟
أودّ أن يعلم الجميع أن هذه المبادرة ليست ترفاً، لا سيما في هذا العام، بل هي عمل تضامني مع الطلاب. نريدهم أن يدركوا أننا لا نقبل أن نرضخ لما يحاول إسقاطنا. فحين كانت لندن تتعرض للقصف الألماني الشرس إبان الحرب العالمية الثانية، جاء الوزراء إلى تشرشل مقترحين خفض ميزانية الفن والثقافة، فأبى وردّ قائلاً: “إن فعلنا ذلك، فلمن نكون قد حاربنا؟” رافضاً أن يُميت الإنجليز بأيديهم روحَ أمتهم. فيظل هدفنا في الجامعة، من خلال هذه المبادرات، أن نجعل أحلام شبابنا وشاباتنا كبيرة.
لماذا وقع الاختيار على الفنان ملحم زين لإحياء هذه الأمسية؟
إن استعرضنا خياراتنا على مدى السنوات الأربع الماضية، فجميعهم يشبهون الجامعة في قيمهم وتوجهاتهم. فملحم زين، لمن يعرفه، إنسان متواضع محبّ عطاء، يسعى دوماً نحو التميز والأفضل، وهذا بعينه ما تسعى إليه جامعتنا من خلال اعتمادها المؤسسي NECHE واعتمادات برامجها كـ AACSB وABAT وسواها. من هذا المنطلق رأينا أننا نتشابه مع الفنان ملحم زين، فكان الاختيار.
ما الرسالة التي تودّون إيصالها؟
يهمني أن يعلم شبابنا وشاباتنا أننا نريد لأحلامهم أن تكون كبيرة. لا نريدهم أن يستسلموا لما يحاول إسقاطهم، لكننا في الوقت ذاته نودّ أن نذكّرهم بأن لبنان قادر على النهوض. فلو راجعنا ما قاله الخبراء الاقتصاديون قبل ثلاث سنوات أو أربع، لوجدناهم يتحدثون عن عشر سنوات للخروج من الأزمة الماليَّة، لكننا في غضون سنوات قليلة استطعنا التكيّف والتأقلم، وإن لم يكن ذلك بصورة كاملة فبنسبة تسعين بالمئة أو أكثر. وما تحقّق يعود في جوهره إلى أبنائنا في المهجر، الذين رفدوا الاقتصاد اللبناني بتحويلات مالية مُستدامة.
ولهذا نريد لكل شاب وشابة يغادران لبنان أن يحملا لبنان في قلبيهما. فلبنان يُخرّج ما بين خمسة وعشرين وسبعة وعشرين ألف خريج سنوياً، في حين لا يستطيع اقتصاده في أحسن أحواله استيعاب أكثر من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف منهم، مما يعني أن الغالبية ستضطر إلى الهجرة.
غير أن الفارق شاسع بين من يهاجر وهو يحمل في صدره وطناً وأهلاً وجامعةً ومسؤولين وقفوا إلى جانبه، وبين من يهاجر حاملاً المرارة فحسب
كيف يمكن للفن والثقافة أن يسهما في تعزيز الصمود والأمل لدى الشباب في أوقات الأزمات؟
الفن لغة الشعوب. فلو تأملنا أجمل الأغاني التي رافقتنا من الصغر حتى اليوم، لوجدنا أن الإنسان حين يسمعها في أوقات الأزمات والحروب يستمد منها طاقةً وأملاً لا ينضبان. خذ مثلاً أغنية “لمعت أبواق الثورة” في صيف 1840، حين أبدع منصور الحلاني ما أشعل الحماسة في النفوس وعزّز الانتماء إلى الوطن.
فالفن في قلب الحروب كثيراً ما كان الوقود الذي يُبقي الشعوب صامدة. ونحن في الجامعة، وإن كنا أكاديميين نؤمن بالعلم سبيلاً لتحسين العالم، نؤمن كذلك بأن الفن والتعليم وجهان لعملة واحدة لا تكتمل إلا بهما معًا.

