الخوري نسيم قسطون:
في مشهد ختم القبر وإقامة الحراس (متّى 27: 62-66)، تتجلى مأساة الإنسان في محاولته المستميتة لوضع حدّ لله.
نرى أنفسنا في أولئك الرؤساء والفرّيسيين، نخاف من “الضلالة الأخيرة”، من حقيقة قيامة تغير كل شيء. فنحن أيضًا ندفن الله تحت طبقات من الأعذار والشعارات: “أنا حرّ”، “أنا سيّد نفسي”، “المسيحيّة ضعف”. نُخرج الله من حياتنا العملية، ونتركه محبوسًا في زاوية ضيقة من القلب أو خلف أبواب الكنيسة المغلقة، لنعود بعد القداس إلى قناعنا الاجتماعي وكأن شيئًا لم يكن. نظن أننا بهذا الإقصاء نحرر أنفسنا، فإذا بنا نصنع لنا قبورًا من اليأس والقلق والبحث عن آلهة زائفة كالمال والشهوة، تَعِدُنا بالخلاص وتتركنا في العدم.
هذا السبت، سبت النور، ليس يوم حزن على المسيح الّذي قام بل هو يوم حزن على ذواتنا إن ظلّت بعيدة عنه. إنه يوم البكاء على كل لحظة نعيش فيها الاستغناء عنه، وكأننا نُخضع الخالق لإرادتنا المحدودة. إنه يوم نكتشف فيه أن كل محاولاتنا لختم القبر وحبس الإله في الماضي هي أسوار خادعة نخدع بها أنفسنا. لأن الله لا يُحبس، ولا يُختزل في ذكرى أو أسطورة. هو الحاضر في تعاطفنا مع المظلوم، في رغبتنا في السلام مع أعدائنا، في وجع الضمير حين نصرخ “أبانا” ونحن نكذب في باقي الحياة.
النور الذي ننتظره لا يحتاج إلى إذن ليدخل. القيامة ليست حدثًا مضى، بل هي واقع يولد كلما اخترنا المحبة بدل الكراهية، والغفران بدل الحقد. سبت النور هو الفرصة الأخيرة لإزالة الأحجار عن قلوبنا، لنبصر النعم بعد أن تعامينا عنها، ونصغي إلى الكلام بعد أن صممنا آذاننا. هو الدعوة لأن نكف عن حراسة قبورنا الفارغة، وأن نضع يأسنا في القبر، ورجاءنا في القائم. حينها فقط، نولد من جديد بقوة النور المنبثق من فجر الأحد، نهتف ليس فقط بالشفاه، بل بالحياة كلّها: إنه قام حقًا قام.
