طواحين السكر في أريحا: شاهد صناعي فريد ازدهرت به فلسطين

You are currently viewing طواحين السكر في أريحا: شاهد صناعي فريد ازدهرت به فلسطين

ازدهرت صناعة السكر في فلسطين خلال العصور الوسطى، لتصبح أحد الأنشطة الاقتصادية الرئيسة في البلاد. فقد عُرفت زراعة قصب السكر منذ فترة مبكرة في غور الأردن والمناطق الساحلية، مستفيدة من وفرة المياه اللازمة لريّ الحقول وتشغيل الطواحين. وتشير المصادر التاريخية إلى انتشار واسع لزراعة القصب في وادي الأردن والساحل الفلسطيني، حتى إنّ ياقوت الحموي أشاد عام 1225م بجودة السكر الأريحاوي، كما زار الرحالة بورشاد منشآت الإنتاج في المدينة سنة 1283م عندما كانت لا تزال تعمل بكفاءة.

وفي الأعوام 2000–2001، جرى تنفيذ موسمين من التنقيب والترميم في موقع طواحين السكر على يد دائرة الآثار الفلسطينية، بإشراف علمي للدكتور حمدان طه وإشراف ميداني للسيد وائل حمامرة. وقد كشفت التنقيبات عن بقايا منشأة صناعية متكاملة لإنتاج السكر تعود للفترتين الأيوبية والمملوكية، وتقع في الجهة الشمالية الغربية من مدينة أريحا، على بُعد نحو 500 متر غرب تل السلطان. ويُعدّ الموقع إحدى أهم المنشآت الصناعية الفريدة في المنطقة، وقد ورد ذكره في العديد من مصادر العصور الوسطى.

يتكوّن الموقع من ثلاثة مكوّنات رئيسة: النظام المائي، المعصرة، والأراضي الزراعية. وتشمل بقايا المرافق الصناعية الساقية، الساحة، غرف التخزين، المعصرة، غرفة العصر، حوض التكرير، الموقد، المطبخ، ومجموعة إضافية من الغرف المخصصة للحفظ. وكانت الطاحونة تُدار بقوة المياه المنقولة من ينابيع النويعمة والديوك عبر شبكة من القنوات المخصّصة لهذا الغرض.

أما المواد الحضارية المكتشفة، فقد عكست بوضوح الأنشطة المختلفة المرتبطة بإنتاج السكر. ومن بين أهم اللقى: الأواني الفخارية، ولا سيما القوالب الفخارية المستخدمة لسكب السكر والمعروفة بالأباليج، إضافة إلى الأسرجة الفخارية، والمواد المعدنية، وعدد من العملات النقدية والكتابات العربية. وقد عُثر أيضًا على عملات تعود للعهد الأيوبي، ما يؤكّد النشاط الإنتاجي المزدهر للموقع خلال تلك الفترة.

ويمثّل موقع طواحين السكر في أريحا شاهدًا فريدًا على تطوّر الصناعة التقليدية في فلسطين، ودليلًا على المهارة الهندسية التي سخّرت موارد المياه والطبيعة لخدمة واحدة من أهم الصناعات في التاريخ الاقتصادي للمنطقة.

اترك تعليقاً