في زمنٍ تُعاد فيه هندسة الشرق الأوسط على وقع الحروب والتسويات، وتُرسم الخرائط في الغرف المغلقة قبل أن تُعلَن على الشاشات، يفرض سؤال نفسه بقسوة: أين المسيحيون؟ وأين النخب المسيحية؟
هل يعقل أن تُصاغ معادلات المنطقة فيما أصحاب الدور التاريخي في قيام لبنان يكتفون بالمراقبة؟ وهل أصبح أقصى طموح النخب المسيحية أن تلاحق الأحداث بدل أن تصنعها؟
التاريخ يقدّم الجواب. فعندما انتهت الحرب العالمية الأولى، وبدأت القوى الكبرى تتقاسم إرث السلطنة العثمانية، لم تنتظر البطريركية المارونية والنخب المسيحية أن يقرّر الآخرون مصيرها. حملت مشروعًا واضحًا، وخاضت معركة سياسية ودبلوماسية شرسة حتى وُلد لبنان الكبير. يومها كان للمسيحيين رؤية، وكان لهم مشروع، وكان لهم رجال دولة يعرفون أن الأوطان لا تُستعطى بل تُنتزع بالحكمة والجرأة.
أما اليوم، فالصورة قاتمة. شرقٌ أوسط جديد يُطبخ على نارٍ حامية، واتفاقات تُبرَم، ومحاور تتبدّل، وحدود النفوذ تُعاد صياغتها، فيما النخب المسيحية غارقة في الحسابات الصغيرة، والانقسامات العقيمة، وصراعات الزعامة التي لم تُنتج إلا مزيدًا من التراجع.
أين المشروع المسيحي؟ أين الورقة السياسية التي تُطرح على طاولات القرار؟ أين الرؤية التي تحمي لبنان، لا المواقع؟ أين الرجال والنساء الذين يفكرون بمئة سنة إلى الأمام، لا بموعد الانتخابات المقبلة؟
إن السياسة لا تعرف الفراغ، وما لا يكتبه أصحاب الأرض يكتبه الغرباء. ومن يغب عن طاولة المفاوضات، سيجد نفسه حتمًا على لائحة الخاسرين. فلا يكفي أن نستحضر أمجاد الماضي ونبكي على الدور التاريخي، فيما حاضرنا يُباع بالتقسيط ومستقبل أولادنا يُرهن لمن يملك مشروعًا ونحن لا نملك إلا ردود الأفعال.
المسيحيون ليسوا أقلية تبحث عن ضمانات، بل هم شركاء مؤسسون في هذا الوطن، وحماة فكرة لبنان الحر، السيد، التعددي. لكن هذه الحقيقة لا يحفظها التاريخ وحده، بل يحفظها الحضور الفاعل والإرادة السياسية. ومن يتخلّى عن دوره، يتخلّى تدريجيًا عن حقه في التأثير.
إن أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم ليس تبدّل موازين القوى، بل تحوّلهم إلى متفرجين على تاريخ يُكتب أمام أعينهم. فالأمم لا تموت عندما تُهزم، بل عندما تفقد إرادة المبادرة، وتستسلم لوهم أن الآخرين سيحفظون لها وجودها ورسالتها.
لقد حان الوقت لوقفة ضمير. فإما أن تستعيد النخب المسيحية شجاعة الآباء المؤسسين، وتنتقل من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة وصناعة المستقبل، وإما أن تتحمل أمام التاريخ مسؤولية ضياع الدور، لا لأن الآخرين كانوا أقوى، بل لأنها كانت أضعف من أن ترتقي إلى مستوى اللحظة.
فالأوطان لا يحميها الحنين… بل الرجال أصحاب الرؤية. والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يذكر إلا الذين عرفوا كيف يصنعون المستقبل عندما كان الجميع ينتظرونه.
الخوري طوني بو عسّاف-
