عيد الدنح المجيد

You are currently viewing عيد الدنح المجيد

الخوري نسيم قسطون:

في عيد الدنح، يفتح حدث العماد الإلهي (لوقا 3: 15-22) أبوابًا للتأمل في مسارين متلازمين: التواضع البشري الذي يدرك حدوده، والتجلي الإلهي الذي يكشف عن محبة لا حدود لها. يُظهر يوحنا المعمدان هذا التواضع بامتياز، فهو يدرك تمامًا طبيعة دوره كصوتٍ يمهّد الطريق، وليس كمصدر النور ذاته. إدراكه أن معموديته بالماء هي للتوبة والاستعداد، بينما معمودية الآتي ستكون بالروح القدس والنار، يعكس وعيًا عميقًا بالهوية والرسالة. إنه لا يتشبث بالمركز، بل يشير بثبات نحو من هو أقوى، قائلًا: “عليه أن يزيد وعليَّ أن أنقص”. في هذا التصرف درسٌ لكل مؤمن: فحياتنا هي دعوة لتسليط الضوء على حضور الله، لا لتعظيم الذات، والسعي لتمجيد اسمه في العالم قبل كل شيء.

يأتي تجلّي الثالوث الأقدس عند معمودية الرب يسوع ليكشف عن عمق هذا الحدث، الذي يتجاوز الطقس الظاهر إلى سرّ خلاصي جوهري. صوت الآب يعلن البنوّة، والروح القدس يحلّ مثل حمامة، والابن يقبل العماد في نهر الأردن. لم يكن الرب بحاجة إلى غفران الخطايا، بل جاء ليكمل كل برّ، وليطهّر المياه ذاتها، محوّلاً إياها إلى رحمٍ تلد أبناءً جددًا لله. بهذا، يغدو العماد بابًا للولادة الثانية، حيث يُدفن الإنسان مع المسيح ليُقام معه إلى حياة جديدة. إنه انتقال من حياة الخطيئة والانفصال إلى شركة البنوّة والنعمة.

هذا السرّ يدعو كل معتمد إلى فحص علاقته بهذه النعمة الأساسية. فالمعمودية ليست طقسًا ماضيًا نذكره، بل هي هوية حاضرة نعيشها. إنها التزامٌ يومي بأن نحيا كأبناء لله بالتبني، حاملين في ذواتنا بذور الحياة الأبدية، ودعوة لنشر هذا النور في عالمٍ يغشاه الظلام. إن السؤال الجوهري هو: إلى أي مدى تشبه حياتي حياة المسيح؟ هل يظهر تواضعه وطاعته للمشيئة الإلهية في سلوكنا؟ هل ندرك أن مجدنا الحقيقي يكمن في أن ننحني لنخدم، على مثال الرب الذي تواضع ليُعتمد؟ إن تجدّد حضور الروح القدس في القلب والفكر هو ما يحوّل الإيمان من ذكرى إلى واقع دائم، ويجعل من المسيحي شاهدًا حيًا للحب الإلهي، لا في الكلام وحسب، بل في التواضع الفعلي والخدمة الملموسة. فليكن هذا العيد مناسبة لتجديد هذا العهد، وللعيش كأبناء للنور، يبحثون دومًا عن مجد الآب، ويسيرون على الدرب الذي افتتحه الرب بتواضعه وحبّه.

اترك تعليقاً