الخوري نسيم قسطون:
في قلب الظلمة يتجلى النور، وفي صمت الليل يعلن صوت الفرح.
الميلاد (لوقا2: 1-20) ليس ذكرى نحتفي بها بل سرّ حيّ نتشاركه. لقد اقتحم الأبديّ الزمن، وتجسّد الخالق في المخلوق، لا ليعلن مجده بعيداً عنّا، بل ليملأ ضعفنا بقوّته. هو الطفل الذي يحمل في عينيه سلام العالم، والملك الذي يملك من مذود خشب.
هذا الحدث يستدعي سؤالاً جوهرياً في حياتنا: أين مكانه فينا؟ هل نحن مستعدون لأن نكون مغارة حقيقية تحتضنه؟ ليست المغارة مكاناً مادياً، بل هي حالة القلب المتواضع الخالي من زحام الأنانية، المستعد لاستقبال النور. فحين يُولد المسيح في القلب، تُعاد صياغة كلّ شيء؛ لم يعد الخوف له موضع، لأنّ “الله معنا” صار حقيقة ملموسة. صمته ليس غياباً، بل هو حضور أعمق ينتظر انتباهنا.
لكنّنا كثيراً ما نغلقه خارجاً، مشغولين بأصنام العصر: الاهتمامات الزائلة، والملذات الفارغة، والصراعات التي تفرقنا. الميلاد يأتي ليكسر هذه الأصنام، ويدعونا إلى العودة إلى الجوهري. إنّه يناقض منطق العالم القائم على القوة والغنى، ليقدم منطق المحبة والتواضع. الله صار ضعيفاً ليعلن أنّ القوة الحقيقية هي في العطاء، والغنى في البذل.
لذلك، فإنّ معنى العيد أن نفتح صفحة جديدة، لا في التقويم، بل في مسيرة وجودنا. أن نسمح لهذا السرّ بأن يتجدد فينا يومياً، فيتحول إيماننا من شعارات إلى فعل، ومن طقوس إلى حياة. حينئذٍ، لن نبحث عن النجم في السماء فقط، بل سنكون نحن أنفسنا كواكب تنير دروب الآخرين نحو المغارة. سنرى في كلّ محروم وجه الطفل الإلهي، وفي كلّ منعزل نداءً للوحدة في المحبة.
ميلاد المسيح هو انتصار الرجاء على اليأس، ليس لأنه يغيّر ظروف العالم فوراً، بل لأنه يغيّر قلوبنا من الداخل. هو يجمع المتفرقين، ويوحد الشتات، ويحوّل المغارة الحزينة إلى هيكل للفرح. المسيح الذي ولد في الزمان يولد اليوم في قلب من يفتح له الباب، ليكون عيد الميلاد في كل آنٍ وأوان، شهادة حية على أن الحب أقوى من كل ظلمة.

