مصطفى العقاد والأم

You are currently viewing مصطفى العقاد والأم
كنتُ أظنّ أن الأم لا تكذب، لكنّي أدركت أن ظني كان مخطئًا بعدما كذبت عليّ أمي ثماني كذبات…
وإليكم أكاذيب أمي، لتعرفوا كيف “تكذب” الأم:
الكذبة الأولى
تبدأ القصة عند ولادتي…
كنتُ الابن الوحيد لأسرةٍ شديدة الفقر، حتى إن ما نملكه من الطعام لم يكن يكفينا.
كلما حصلنا على شيءٍ قليل من الأرز، كانت أمي تُعطيني نصيبها.
وحين كانت تنقل الأرز من طبقها إلى طبقي كانت تقول:
“يا ولدي، تناول هذا الأرز… فأنا لستُ جائعة.”
وكانت هذه الكذبة الأولى.
الكذبة الثانية
كبرت قليلًا…
وكانت أمي تذهب للصيد في نهرٍ صغيرٍ قرب منزلنا، لتأتي لي ولو بسمكة واحدة أسدّ بها جوعي.
وفي إحدى المرات استطاعت — بفضل الله — أن تصطاد سمكتين.
أعدّت الغذاء ووضعت السمكتين أمامي.
بدأت أتناول الأولى شيئًا فشيئًا، وكانت أمي تتناول ما تبقّى من اللحم حول الشوك والعظام.
هزّ ذلك قلبي، فوضعتُ السمكة الثانية أمامها، فأعادتها إليّ فورًا وقالت:
“يا ولدي، ألا تعرف أني لا أحب السمك؟”
وكانت هذه الكذبة الثانية.
الكذبة الثالثة
عندما كبرتُ أكثر…
كان لا بد أن ألتحق بالمدرسة، ولم يكن معنا ما يكفي من المال.
ذهبت أمي إلى السوق واتّفقت مع موظفٍ بأحد محال الملابس أن تُسوّق بضاعتهم بالمنازل.
في ليلة شتاءٍ ممطرة تأخرت أمي، فخرجت أبحث عنها.
وجدتها تطرق الأبواب وتحمل البضائع رغم البرد الشديد.
ناديتها وقلت:
“أمي، هيا نعود إلى المنزل. يمكنك مواصلة العمل صباحًا.”
فابتسمت وقالت:
“يا ولدي، أنا لستُ مرهقة.”
وكانت هذه الكذبة الثالثة.
الكذبة الرابعة
في يوم اختبار آخر العام…
أصرّت أمي على الذهاب معي.
دخلتُ الامتحان، وبقيت هي تنتظر تحت حرارة الشمس المحرقة.
وعندما خرجت، احتضنتني وأعطتني كوبًا من مشروب اشترته لي.
شربت حتى ارتويت، ثم لاحظت العرق يتصبّب من وجهها.
ناولتها الكوب وقلت:
“اشربي يا أمي.”
فردّت مبتسمة:
“يا ولدي، اشرب… أنا لستُ عطشانة.”
وكانت هذه الكذبة الرابعة.
الكذبة الخامسة
وبعد وفاة أبي…
تحمّلت أمي مسؤولية البيت وحدها، وازداد الفقر حتى صرنا نعاني الجوع.
كان عمي يساعدنا بما يستطيع، ونصح الجيران أمي بأن تتزوج فهي ما زالت صغيرة.
لكنها كانت ترفض دائمًا وتقول:
“أنا لست بحاجةٍ إلى الحب.”
وكانت هذه الكذبة الخامسة.
الكذبة السادسة
تخرجتُ من الجامعة وحصلت على وظيفةٍ جيدة.
اعتقدت أن الوقت قد حان لترتاح أمي من التعب.
لكنها كانت قد فقدت صحتها ولم تعد قادرة على الطواف بالمنازل، فكانت تبيع الخضروات في السوق كل صباح.
خصصتُ لها جزءًا من راتبي، لكنها رفضته قائلة:
“يا ولدي، احتفظ بمالك… إن معي من المال ما يكفيني.”
وكانت هذه الكذبة السادسة.
الكذبة السابعة
استكملت دراستي وحصلت على الماجستير.
ثم منحتني الشركة فرصة للعمل في مقرّها بألمانيا.
سافرت، واستقرّت أحوالي، فاتصلت بأمي أدعوها للإقامة معي.
لكنها أجابت — كي لا تُثقل عليّ —:
“يا ولدي، أنا لستُ معتادةً على المعيشة المترفة.”
وكانت هذه الكذبة السابعة.
الكذبة الثامنة
كبرت أمي وأصابها السرطان.
كان يجب أن أكون بجانبها، فتركت كل شيء وسافرت إليها.
وجدتها طريحة الفراش، هزيلة، ضعيفة… ليست أمي التي أعرفها.
عندما رأتني حاولت أن تبتسم، وبكيتُ من شدّة الألم.
فقالت لتواسيني:
“لا تبكِ يا ولدي… فأنا لا أشعر بالألم.”
وكانت هذه الكذبة الثامنة.
وبعد أن قالت كلمتها الأخيرة…
أغلقت عينيها، ولم تفتحهما بعدها أبدًا.
إنها أكاذيب الأم… أكاذيب كلها حب، كلها تضحية، كلها رحمة.

اترك تعليقاً