مَن يقاتل الوحوش عليه أن يحذر أن يصبح هو نفسه وحشاً

You are currently viewing مَن يقاتل الوحوش عليه أن يحذر أن يصبح هو نفسه وحشاً
A family originally from Syria, displaced from the southern suburbs of Beirut, sits along a seaside corniche, following renewed hostilities between Hezbollah and Israel amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, in Beirut, Lebanon, March 4, 2026. REUTERS/Claudia Greco
فاطمة عبدالله-
في الحروب تسقط أشياء كثيرة. تسقط الحسابات الصغيرة ولغة الاصطفاف، وتسقط جدران بنيناها بين “نحن” و”هم”. فالمشهد حين يمتلئ بالنساء المشرَّدات، بالأطفال الذين يحملون أكياساً أكبر من أجسادهم، بكبار السنّ الباحثين عن أرض يجلسون عليها، يصبح الواقع أكبر من أيّ رواية ضيّقة.
الحرب على قسوتها امتحانٌ في القدرة على أن نبقى بشراً عندما تصبح القسوة أسهل من الرحمة. فأمام مشهد المشرَّدين في الشوارع، يحدث شيء عميق في النفس. نكتشف أنّ المعاناة لا تحمل بطاقة هوية. الجوع لا يسأل عن الانتماء، والبرد لا يُميّز بين مَن نحبّ ومَن نختلف معهم. في تلك اللحظة يتعرَّى الإنسان من خطاباته السابقة.
الفيلسوفة حنة آرنت كتبت أنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو “اعتياد الشرّ”، فيصبح الألم مألوفاً إلى درجة أننا نمرّ بجانبه ولا نلتفت.
الإنسانية لا تُقاس في الأوقات السهلة. تُقاس في اللحظات التي يكون فيها الحقد مبرَّراً ومع ذلك نختار ألا نستسلم له.
ونختار حين نرى امرأة مرميّة على الأرض أو طفلاً يرتجف من البرد، ألا نقول إنها ليست مشكلتنا. نختار الصوت الأقدم من السياسة والأعمق من الاصطفاف. نختار الإنسان.
وهذا الامتحان ليس سهلاً. فالحروب تزرع في النفوس رغبة في تصفية الحسابات. تقول لنا إنّ الألم يجب أن يُردّ بألم، والجرح يجب أن يترك جرحاً مقابلاً. هنا تبدأ المعركة الداخلية. حين لا نسمح للحرب أن تُعيد تشكيل قلوبنا على صورتها.
نبَّه نيتشه في مقولة له: “مَن يقاتل الوحوش عليه أن يحذر أن يصبح هو نفسه وحشاً”. الحروب تُهدّد أرواحنا ويمكنها أن تجعلنا قساة وباردين وحاقدين. الإنسانية الحقيقية هي رفضنا لهذا التحوُّل.
(الصورة: رويترز)

اترك تعليقاً