ندوة لـ”منتدى فيلوكاليه للفكر اللبناني”

You are currently viewing ندوة لـ”منتدى فيلوكاليه للفكر اللبناني”

 افتتحت جمعية ومعهد “فيلوكاليا” أولى الحلقات الحوارية ل”منتدى فيلوكاليه للفكر اللبناني”، بندوة مع البروفسور فيليب سالم حول كتابه “لبنان والحياد الفاعل”، برعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ممثلا بالمطران حنا علوان وحضور مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار وفاعليات، شارك فيها الوزراء السابقون د.عباس الحلبي،  د. رائد شرف الدين، زياد بارود، ود. مصطفى الحلوه، وأدارها رئيس المنتدى الدكتور سهيل مطر.

وقد أجمع المتحدثون على أن “البروفسور فيليب سالم يمثل قامة وطنية فكرية تدمج بين رسالة الطب وعشق الوطن”، وأشادوا بـ”منهجه العلمي في كتابه لبنان والحياد الفاعل إذ نقل خبرته كطبيب يعالج السرطان إلى الشأن العام، مؤكداً أن خلاص لبنان يبدأ من التشخيص الصحيح لجذور أزماته لا الاكتفاء بمواجهة أعراضها”، واعتبروا أن “طرح سالم يتجاوز الحياد السلبي ليقدم نموذجاً حيوياً يهدف إلى إعادة بناء الدولة واستعادة دور لبنان التاريخي كجسر بين الحضارات وصوت للحرية”.

كذلك أكدوا ان “الحياد الفاعل ليس مجرد قرار سياسي، بل هو  شرط بنيوي وحجر الأساس لحماية لبنان الرسالة وتحصينه ضد التفكك والارتهان للمحاور الخارجية”، وأيّدوا “فكر سالم، على أن الحياد لا يعني الانعزال، بل هو ثمرة لسيادة الدولة وامتلاكها لقرارها الحر وحصرية السلاح بيد مؤسساتها”.

استهلت الندوة بالنشيد الوطني، فكلمة  رئيسة الجمعية والمعهد الأخت مارانا سعد اعتبرت فيها ان “المنتدى هو ورشة عمل فكرية تسعى لإيجاد مخرج للأزمات اللبنانية الراهنة بقوة الفكر وصدق الحوار، وقالت:” لقد أردنا لهذا المنتدى ألا يكون منبراً لرأي واحد، بل مساحة للسؤال والبحث في هوية لبنان ودولته وثقافته ودوره في الشرق والعالم. هو لقاء يجمع بين جيلين، جيل حمل التجربة والمعرفة، وجيل الشباب الذي يحمل أسئلة ورؤية الغد، إيماناً منا بأن الذاكرة من دون مستقبل تصبح حنيناً، والمستقبل من دون ذاكرة يصبح ضياعاً”.

واستحضرت إرث البطريرك إلياس الحويك، “الذي آمن بأن لبنان ليس مشروع فئة، بل هو وطن للحرية والتنوع والعيش المشترك”، مشيرة إلى “جذور لبنان التاريخية والروحية كرمز للثبات والرفعة”، وشكرت للبطريرك الراعي “الذي بارك رسالتنا”، وأملت ان يكون “منتدى فيلوكاليه للفكر اللبناني بذرة فكر ونور رجاء نحو لبنان الذي نؤمن برسالته”.

ثم تحدث مطر واعتبر ان “الحياد  ليس حلما”، ودعا إلى تحقيقه،  وأشار إلى أن “البطريرك الراعي اعلن إيمانه بلبنان الحياد الفاعل، ملتقيا بذلك مع الدكتور سالم”، وأكد أن “الحياد لا يعني الانعزال، بل يتطلب فصل الدين عن الدولة والتربية، والابتعاد عن تديين السياسة وتسييس الدين”، داعيًا إلى “التعاون والعمل المشترك لتحقيق رؤية الحياد الفاعل وترسيخها كخيار استراتيجي للبنان”.

أما  حلوه فسأل:”هل الحياد، بمعزل عن توصيفه، إيجابيا كان أم فاعلاً أم نأيا بالنفس، هو قرار سياسي فحسب، أم يقتضي كشرط لازم، إعادة تأسيس لفكرة الدولة نفسها ؟، وقال:”هل لبنان، اليوم، كيان سياسي متماسك، حتى يُقدَّر له سلوك طريق الحياد”، وأشار إلى ان “لبنان، خلال الاعوام الأربعين الماضية، لم يكن باسطا سيادة الدولة على جميع أراضيه، ولا مالكًا قراره الحر خارجيا، ولا قرار السلم والحرب، ولا محتكرا القوة العسكرية، وسوى ذلك من عناصر هي من مستلزمات تكوين الدول، ولطالما كان لبنان جزءًا من توازنات إقليمية، يتأثر بصراعات الشرق الأوسط، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، ويُستخدم كساحة وكبريد، لتبادل رسائل إقليمية”.

ولفت  إلى أن “العدالة الداخلية، شرط للمشروعية الخارجية بمعنى أنّ الدول غير العادلة داخليا، يصعب أن تكون محايدة أخلاقيا، على الصعيد الخارجي”، ويبقى السؤال:”هل لبنان دولة عادلة، تجاه غالبية الشرائح المجتمعية؟”

وختم:”الأولوية لإعادة تأسيس الدولة، مع الإبقاء على اهمية التبشير بالحياد الفاعل بما يوفر مناخا عامًا، لتقبل هذا الطرح، وتحويله – وفق لغتنا الفلسفية – من حالة القوة إلى حالة الفعل”.

من جهته اشاد الحلبي بـ”منهج الدكتور فيليب سالم الذي نقل خبرته كطبيب يعالج السرطان إلى الشأن الوطني”، وأكد أن “الشفاء يبدأ دائمًا من التشخيص الصحيح والبحث عن جذور المرض وليس الاكتفاء بمواجهة الأعراض الظاهرة. مشيرا إلى ثلاث إشكاليات (انحرافات) رافقت التجربة اللبنانية وهي: العنف عند غياب الدولة، الطائفية عندما تتحول لأداة صراع، والتبعية للخارج أو الارتهان له كبديل عن بناء القدرة الوطنية”.

وسأل عن هوية لبنان:”هل نريده ساحة تتأثر بصراعات الآخرين، أم دولة تمتلك قرارها وتحمي سيادتها”؟، وأكد أن “لبنان فكرة تقوم على الجمع بين التنوع والوحدة والانتماء الوطني المشترك، وأن الميثاقية ليست مجرد آلية لتوزيع السلطة، بل هي فلسفة بناء دولة تقوم على الاعتراف المتبادل ورفض الإلغاء”، معتبراً أن “التنوع عنصر تأسيسي في الكيان”، مستذكرا “رؤية البطريرك الياس الحويك في نضاله من أجل لبنان الكبير كوطن جامع لا مجرد مساحة جغرافية”.

وشدد على أن “الحياد ليس بديلاً عن بناء الدولة، بل هو نتيجة لوجود دولة قادرة ومستقلة، فلا حياد بلا سيادة، ولا سيادة بلا مؤسسات فاعلة ووفاق وطني”، مؤكدا أن “أي بحث في الحياد يجب أن يستند إلى وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) التي كّرست فكرة أنه لا استقرار دون دولة جامعة وشراكة وطنية حقيقية”، وحدد ثلاثة شروط متكاملة لتحويل الحياد إلى مشروع وطني قابل للحياة: الوفاق الداخلي،  القبول الإقليمي والغطاء الدولي”.

أما شرف الدين فرأى  أنّ “أطروحة الدكتور فيليب سالم حول الحياد الفاعل تقدّم رؤيةً لتعزيز موقع لبنان، وتنطلق من سؤال أساسي: كيف يمكن توظيف الحياد في خدمة الناس؟ ويعرض سالم تمييزًا بين الحياد السلبي، والحياد الإيجابي، والحياد الفاعل القائم على منع النزاعات وصنع السلام مع الحفاظ على حق الدفاع”، وطرح إشكالية الجمع بين الحياد والفاعلية، معتبرًا أنّ “قيمة الحياد تُقاس بغايته المتمثّلة في حماية الكيان والسيادة والهوية الجامعة”.

وأشار إلى أنّ “تجارب الحياد الناجحة استندت إلى دولة قوية ومتماسكة، فيما يفتقر لبنان إلى وحدة القرار والقدرة الاقتصادية، ما يجعل أي ضمانات دولية غير كافية من دون مناعة داخلية. كما يلفت إلى أنّ الحياد يبقى موضع انقسام داخلي، ولا يكتسب شرعيته إلا بقدرته على حماية الناس وتحقيق العدالة”، مؤكدا أنّ “الحوار وسيلة للتغيير وليس غاية بحدّ ذاته”، داعيًا إلى “إشراك المواطنين في حمل مشروع الحياد”، واعتبر أنّ “المدخل الحقيقي يبدأ بإنتاج وعي سياسي جديد، وتعزيز المواطنة، والشفافية، والعدالة الاجتماعية، واللامركزية الإدارية”.

وختم:”انّ الحياد الفاعل يشكّل طرحًا أكثر نضجًا من سياسة النأي بالنفس، لكنه يبقى غير قابل للتحقق من دون دولة قادرة، ومواطنة فاعلة، وعدالة اجتماعية، وضمانات دولية تصون لبنان وتكرّس رسالته في العيش المشترك”.

كذلك تحدث بارود، ورأى  أن “طرح البروفسور فيليب سالم في كتابه (لبنان والحياد الفاعل) يمثل رؤية استراتيجية تتجاوز مفهوم الحياد السلبي، لتقدم نموذجاً حيوياً يهدف إلى إعادة بناء الدولة واستعادة دور لبنان التاريخي بعيداً من ظلمات المحاور التي أرهقت الوطن”، واعتبر ان “هذا المسار الذي نناقشه اليوم في منتدى فيلوكاليا، يرتكز على أبعاد تنموية وسيادية واضحة، حيث يلتزم لبنان بموجبه بعدم المبادرة بالحرب، مع التمسك الكامل بحقه المقدس في الدفاع عن نفسه، وهو ما يستدعي بالضرورة ضمانات دولية لتعزيز هذه السيادة”، ولفت إلى “وجود تقاطع جوهري بين فكر سالم مع طرح البطريرك الراعي، إذ يشكل الحياد من منظورنا المشترك حجر الأساس لحماية لبنان الرسالة، وضمان تماسك كيانه السياسي في مواجهة التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. فالحياد في نظري ليس غاية بحد ذاته، بل هو الوسيلة الأمضى لصون كرامة اللبنانيين وتحصين وطنهم ضد التفكك والضياع”.

أما سالم فاعتبر نفسه  في كلمته، “راهباً في قضية شفاء المريض، وراهباً في خدمة لبنان، هذا البلد الذي يجسد أجمل نموذج للحضارة في الشرق ويحمل مرتكزات للعظمة قد لا تمتلكها أي دولة أخرى في العالم”. وقال:”لبنان ليس دولة فقيرة أو فاقدة للمقومات، بل هو وطن الإنسان المتمرد على الصعاب، الذي لو واجه ما واجهه اللبناني في مدن كبرى لخلت من سكانها “، لافتا الى اننا “نمتلك أجمل طبيعة، ومياهاً تنبع وتصب في أرضنا، وتاريخاً حياً يجعل من لبنان متحفاً مفتوحاً على مساحة الوطن، من صيدا وصور إلى بيروت وطرابلس والجبل. كما نمتلك ثروة بشرية هائلة في الانتشار اللبناني، وهو انتشار محبوب عالمياً، لم يذهب يوماً ليهدم، بل ليشارك في بناء الحضارات وصنع المستقبل”.

ورأى  انه “ورغم كل هذه العظمة، انهار لبنان لأننا افتقدنا إلى القيادة الحكيمة، فما نفع امتلاك سيارة كـ (البنتلي) إذا كان سائقها لا يجيد القيادة؟. من هنا، تأتي أهمية الحياد الفاعل، الذي لا يعني أبداً الانحسار أو التراجع أو النأي بالنفس الخالي من الحضور، بل هو فعل وجود وموقف فاعل لحماية هذا الكيان”.

وختم :”أنا قومي لبناني حضاري، أبي هو اللبناني، وأمي هي هذه الأرض، وإخوتي هم جميع اللبنانيين، وأحبهم جميعاً إلا من لا يحترم أبي وأمي. أؤمن بأن كل حبة تراب من هذا الوطن هي مقدسة، وأنا جزء من البشرية جمعاء، لا أضمر العداء لأحد، بل أعبد لبنان بعد الله، متطلعاً لأن يتعهد الخالق هذه الكرمة التي غرستها يداه ويحميها”.

من جهته، أشار المطران علوان إلى مفهوم “الحياد الفاعل الذي نال تأييد وتبني البطريرك الراعي كخيار يعبر عن الرغبة في صون الوطن، سيراً على نهج البطريرك إلياس الحويك الذي أعلن تاريخياً أن طائفته هي لبنان”، ولفت إلى ان “البطريرك الحويك أرسى قواعد بناء الدولة من خلال تأكيد أن محبة الوطن هي جزء لا يتجزأ من محبة الله، مشدداً في رسائله التعليمية على أن بناء لبنان الكبير لا يكتمل بمجرد ترسيم الحدود الجغرافية، بل يُبنى بالإنسان وبالمواطنين الذين يضعون انتماءهم للوطن فوق كل اعتبار. وفي هذا السياق، يُعتبر الاغتراب الذي يؤدي إلى نسيان الجذور بمثابة خيانة وجرح عميق، بينما يُنظر إلى المهاجرين الذين حافظوا على وفائهم ومدوا وطنهم بالدعم ورفعوا اسمه عالياً بذكائهم وأمانتهم كدليل حي على الإبداع اللبناني وسفراء حقيقيين للوطن في العالم”.

اما الشعار فرأى ان “الالتزام الحقيقي من قبل المسلمين والمسيحيين بقيم أديانهم هو السبيل الوحيد لتحقيق الأخوة، حيث أن الكتب السماوية من توراة وإنجيل وقرآن تخلو من العنصرية والكراهية وجاءت لمصلحة البشرية”، مشددا على ان “الوحدة الوطنية والمحبة واللحمة الناتجة عن التمسك بهذه القيم الدينية والإنسانية هي البداية الفعلية لنهضة لبنان وقيامته من جديد”.

وفي ختام الندوة اهدى البروفسور سالم كتابه مع توقيعه إلى الحاضرين.

اترك تعليقاً