أحد تقديس البيعة

You are currently viewing أحد تقديس البيعة

الخوري نسيم قسطون:

مع إفتتاح السنة الطقسية الجديدة، لا تدعونا الكنيسة المارونية إلى تقليب صفحة في تقويم، بل إلى استقبال وقتٍ جديد يُحوّل إلى ثمار روحية. الفرق جوهري بين من يعد الأيام وبين من يُثمّرها.

العالم يقيس السنة بما مضى، والكنيسة تقيسها بما تُنتجه من حياة مختلفة. لهذا يحسن بنا أن نبدأ بمخطط واضح بدلاً من نوايا عامة تذوب سريعاً في زحام الأيام.

عندما نسمع أن البيعة مدعوة للتقديس، علينا أن نُدرك فوراً أن المقصود ليس جدران الكنيسة وسقفها.

القديس يوحنا الذهبي الفم يذكّرنا بأن “الكنيسة ليست حجارة بل إيمان وحياة”. هذا يعني عملياً أن مساحات تقديسي الحقيقية هي جسدي وكلماتي وبيتي وعملي وهاتفي وتفاعلاتي الرقمية.

تقديس البيعة يبدأ حين أُخرج من حياتي اليومية ما لا يليق بحضور الله: كلمة جارحة تجرح قلباً، عادة سيئة تستعبدني، تصرف غير عادل في العمل، أو خصومة أرجّل حلها منذ سنوات.

سؤال يسوع في الإنجيل: “من تقول أنت إني أنا؟” (متى 16: 13-20) ينتظر إجابة لا بالكلمات المحفوظة بل بالأفعال المعاشة.

وفي مطلع السنة الليتورجيّة، من المفيد أن نترجم هذا السؤال إلى التزامات صغيرة وملموسة يمكن قياس تقدمنا فيها: وقت صمت يومي مع كلمة الله، حضور واعٍ للقداس يوم الأحد، اعتراف شهري يُثبّت خطواتنا، صلاة عائلية قصيرة لكن منتظمة، خدمة محددة في الرعية تستغرق ساعة أسبوعياً.

التزام واحد يُنفَّذ بأمانة أفضل بكثير من عشرة قرارات تُكتب وتُنسى! فالقداسة لا تُصنع بقفزات كبيرة بل بأمانة متكررة في الأمور الصغيرة.

المفاتيح التي يسلمها الربّ لنا ليست أوسمة شرف بل عهد ثقة.

كلّ منا مؤتمن على مفاتيح: الوالدان على قلوب أولادهما، المعلم على عقول تلاميذه، الطبيب والمسؤول على ثقة الناس.

السؤال العملي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا حاد وصارم: هل أستعمل سلطتي لفتح أم لإقفال؟ هناك من يملك سلطة فيستخدمها لإدخال الآخرين إلى أفق الرجاء، وهناك من يستخدمها ليُغلق الأبواب في وجوه الناس.

لنختر هذه السنة أن نكون من الذين يفتحون: فرصة لشاب يبحث، كلمة تشجيع لمن يئس، صفح يُنهي قطيعة دامت سنوات.

إلا أن صخرة واحدة لا تشيّد بناءً. يقول القديس أوغسطينوس: “أنتم تُبنَون حين تُصغون، وتُبنَون حقاً حين تعملون الصالح”. الكنيسة تقوم حين يقبل كل عضو أن يقف إلى جانب أخيه، يحمل معه أثقال الجماعة، يصبر على ضعف الآخرين. هذه الأعمال ليست تفاصيل ثانوية بل مواد بناء حقيقية للملكوت.

لنبدأ السنة بخطوة واحدة نختارها اليوم: ساعة نهديها لله، علاقة نصالحها، أو نذر نتعهد به. عندها نكون قد صرنا نحن أنفسنا الهيكل الذي يسكنه المسيح، ويشع نوره على الذين نلقاهم في طريقنا.

اترك تعليقاً