احتفلت رعية إهدن – زغرتا بعيد مولد السيدة العذراء مريم، في كنيسة سيدة الحصن، في أجواء من الصلاة والخشوع، حيث ترأس المونسنيور إسطفان فرنجية الذبيحة الإلهية، عاونه الخوري حنا عبود والخوري كاميليو مخايل والشماس جوزيف لطفي، في حضور حشد من المؤمنين.
سبق القداس مسيرة صلاة وتأمل نظمتها أخوية الحبل بها بلا دنس، انطلقت من كنيسة مار بطرس وصولًا إلى كنيسة سيدة الحصن، بمشاركة الأطفال والشباب والعائلات، ورفع المشاركون صلواتهم على نية العائلات والرعية والوطن، مسبّحين العذراء مريم في عيد ميلادها.
في مستهل القداس، رفع المونسنيور فرنجية الصلاة على نية الشيخ فايز معوض وزوجته، وعلى نية المؤسسة التي تحمل اسمه وابنه الشيخ روبير، تقديرًا لدعمهما الحفاظ على هذا المكان وتجهيزه، ليبقى لائقًا بخدمة كلمة الله والاحتفال بالأسرار، ولا سيما سر الإفخارستيا.
وأشار إلى أن “هذه الكنيسة التي بناها الآباء والأجداد بمحبة، ووضعوا العذراء على قمة هذا الجبل، هي مساحة مكرّسة لله ولخدمة أبنائه. وفي عظته، تناول المونسنيور فرنجية معنى عيد مولد العذراء، متوقفًا عند ما يحمله كل مؤمن معه إلى الكنيسة في هذه المناسبة من نوايا وهموم وآلام وأفراح ورجاء وأحباء، ليضعها أمام الرب يسوع ومريم”.
وأكد أن “العذراء مريم اختارها الرب لرسالة، وأن اختيار الله لا يكون عبثًا، بل من أجل خلاص البشر”، لافتًا إلى أن “المؤمنين، من خلال مسيرة الصلاة التي سبقت القداس، استعدوا للقاء الرب بالصلاة والمسبحة والترانيم، بمشاركة الأطفال والشباب الذين عبّروا عن محبتهم ليسوع ومريم”.
وشدد على أهمية الاستعداد للقداس، معتبرًا أن “الاستعداد هو من أسمى وجوه الصلاة المسيحية”، وداعيًا المؤمنين إلى الحضور قبل بدء الذبيحة الإلهية، للدخول في جو اللقاء مع الرب والإصغاء إليه، لأن القداس ليس مجرد واجب في يوم العيد، بل لقاء حقيقي مع الله.
ودعا إلى الإصغاء إلى كلمة الله في الرسالة والإنجيل والعظة، بعيدًا من شخص الكاهن الذي يتلوها أو يفسرها، لأن الكلمة الإلهية تخاطب الإنسان في واقعه وظروفه وحياته. واستعاد قول صموئيل: «تكلّم يا رب، فإن عبدك يسمع»، مشددًا على أن “الصلاة الحقيقية تحتاج إلى الصمت، وإلى أن يفسح الإنسان المجال لله كي يتكلم”.
وتوقف عند العذراء مريم التي عاشت الإصغاء بكامل قلبها، وقالت للملاك: «ليكن لي بحسب قولك»، وكانت تحفظ الأمور وتتأملها في قلبها”، داعيًا المؤمنين إلى أن “تكون صلاتهم فعل إصغاء وتأمل، وأن يتركوا لكلمة الله المجال لتقودهم وتكشف لهم ما يريده الرب منهم”.
كما شدد على “أهمية الإيمان بتعليم الكنيسة والوثوق بسلطتها، موضحًا أن الكنيسة ليست مشروعًا بشريًا أو مساحة للأفكار والآراء الشخصية، بل هي عمل الروح القدس وعائلة الله على الأرض”. ودعا إلى التمييز في ما يسمعه المؤمن وينقله، خصوصًا في زمن كثرت فيه الآراء والمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، محذرًا من الانجرار وراء الإدانة والانتقادات، ومشددًا على العودة إلى الذات والعمل على إصلاحها والنمو في الحياة الروحية، مستشهدًا بقول الرب: «لا تدينوا لئلا تدانوا».
وفي محور آخر، شدد المونسنيور فرنجية على مركزية الإفخارستيا في حياة المؤمن، داعيًا إلى التوجه إلى القربان المقدس بإيمان، لأن يسوع حاضر فيه، مؤكدًا أن “المؤمن لا يدخل الكنيسة إلى مكان اجتماعي، بل إلى بيت الرب حيث يلتقي المسيح الحاضر في سر القربان والصليب.
ودعا إلى “عيش لحظات الصلاة أمام القربان قبل القداس وبعده، وإلى البقاء قليلًا بعد المناولة لشكر الرب”، معتبرًا أن “المناولة ليست نهاية اللقاء، بل بداية لحمل المسيح إلى الحياة اليومية”. وقال: “إن المطلوب من المؤمن، بعد خروجه من الكنيسة، أن يحمل يسوع معه، فيكون يديه التي تساعد، وقلبه الذي يحب، وقدميه التي تصل إلى الناس، لتبدأ حياته المسيحية من باب الكنيسة وتستمر في البيت والمجتمع، فيصبح حضوره شهادة للآخرين بأن يسوع حيّ في حياته”.
وفي ختام عظته، عاد إلى العذراء مريم، مؤكدًا أنها “لم تكن صاحبة مشروع منفصل عن ابنها، بل كان مشروعها مشروع يسوع، وقد اختارها الله لتكون أمًا لابنه وسفينة تحمل يسوع إلى العالم”. ودعا المؤمنين إلى أن يكون كل واحد منهم، على مثال العذراء، سفينة تحمل يسوع إلى الآخرين بالمحبة والخدمة والغفران والعمل على الذات.
ورفع المونسنيور فرنجية الصلاة على نية رعية إهدن-زغرتا وجميع الرعايا، والكنيسة المارونية، وقداسة البابا والبطريرك والمطران والكهنة والشمامسة، وكل الذين تعبوا في التحضير للعيد، سائلًا الرب أن يمنح الرعية دعوات كهنوتية ورهبانية جديدة.
وفي ختام الاحتفال، عايد المونسنيور فرنجية المؤمنين، متمنيًا أن “تبقى العذراء مريم حصنًا لحياتهم وللبنان والعالم، وأن تحمل صلاتها الرجاء والسلام، وتسهم في زوال الحروب والشر والأنانية، وأن يبقى أبناؤها أوفياء لدعوتهم في حمل يسوع إلى كل مكان. وتبقى سيدة الحصن، كما عرفتها إهدن عبر الأجيال، علامة تجمع أبناءها وترافق أفراحهم وأحزانهم، وموعدًا متجددًا مع الإيمان والرجاء، تحفظ ذاكرة الإيمان المتجذّرة في هذه الأرض، وتصل الأجيال بكنيستها وتراثها الروحي، ليبقى حضور العذراء حيًا في قلب الرعية وبيوتها”.

