خصّص «صالون فيلوكاليّا الأدبي» في دير فيلوكاليّا – عينطورة، حلقته الشهرية الثانية عشرة لمحطّة غنية في التراث المسيحي المشرقي، تمحورت حول سيرة مار أفرام السرياني، نصوصًا وألحانًا وتأثيرات، وذلك في جلسة حوارية–موسيقية مع الأب يوحنا جحا، أدارها مدير الصالون الشاعر هنري زغيب، وتخلّلها عزف مقاطع من ترانيم «الأفراميات».
واستُهلّ اللقاء بكلمة ترحيبية لرئيسة «فيلوكاليّا» الأخت مارانا سعد، شدّدت فيها على الأهمية التاريخية والروحية لمار أفرام السرياني، وعلى غنى نتاجه اللاهوتي والأدبي، ودوره الريادي في ترسيخ الشعر والترنيم كوسيلة تعليمية وإيمانية، جعلت من الكلمة المُرنَّمة جسرًا بين المعرفة والعقيدة.
وفي الحوار، قدّم الأب يوحنا جحا نبذة مركّزة عن سيرة مار أفرام، موضحًا أنّه وُلد سنة 306 في مدينة نصيبين التاريخية، ونشأ في بيئة سريانية–رومانية متعدّدة التيارات الدينية، وتلقّى علومه في مدرسة نصيبين الشهيرة، متتلمذًا على يد أسقفها مار يعقوب النصيبيني، الذي كان له الأثر الأبرز في تكوينه الروحي والفكري.
وأشار الأب جحا إلى أنّ مار أفرام ارتسم شماسًا ولم يقبل الكهنوت، وأنه بعد احتلال الفرس لنصيبين سنة 363 هاجر إلى الرها (أورفا)، حيث أعاد تنظيم مدرستها وبلغ ذروة عطائه الفكري والروحي، فكتب أهم ميامره وأناشيده. وأضاف أنّه عاش نسك المدينة، قريبًا من الناس والفقراء، وواجه الهرطقات السائدة في عصره، كالأريوسية والمانوية، عبر قصائد رمزية لاهوتية عميقة موجّهة إلى عامة الشعب.
ولفت إلى أنّ أناشيد مار أفرام في الميلاد والآلام والقيامة والبتولية والكنيسة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التراث الليتورجي الأنطاكي، وأن وفاته في الرها سنة 373 تُوّجت بلقب «قيثارة الروح القدس»، تقديرًا لفرادته الروحية والأدبية.
كما استشهد الأب جحا بإعلان البابا بنديكتوس الخامس عشر سنة 1920 مار أفرام «معلّم الكنيسة الجامعة»، ناقلًا قوله إنّه من أبرز الكتّاب الشرقيين، تميّز بنقاء الإيمان وقداسة السيرة، وزيّن تعاليمه بترانيم سامية جعلت من الشعر وسيلة لرفع النفوس إلى الله، فبلغ تأثيره مختلف شعوب الشرق، لا أبناء الكنيسة السريانية فحسب.
وختم الأب جحا عرضه بتأكيد ما يمثّله مار أفرام من نموذج متكامل للمعلّم والواعظ والمرنّم، الذي وحّد المعرفة بالمحبّة العملية، وبقي مثالًا في التواضع والنسك، ومصدر إلهام حيّ في كيفية تسبيح الله بالكلمة والفن.
وفي ختام اللقاء، أعلن الشاعر هنري زغيب الموعد الشهري المقبل لـ«صالون فيلوكاليّا الأدبي»، مساء السبت 17 كانون الثاني 2026، في ندوة خاصة تُخصَّص للكاتبة مي منسى.
