اقامت لجنة السلامة العامة في اتحاد المهندسين العرب ندوة عن “الحرب على لبنان وانعكاساتها على السلامة العامة”، في قاعة نقابة المهندسين في بيروت، برعاية وزيرة البيئة تمارا الزين ممثلة بمستشارتها رمزه جابر، وحضور النائب أيوب حميد، الأمين العام للاتحاد البروفسورعادل الحديثي، رئيس اتحاد المهندسين اللبنانيينن النقيب فادي حنا، رئيس لجنة السلامة العامة علي حناوي وحشد من المهندسين.
بداية تحدث حناوي وقال:”نجد أنفسنا في قلب كارثة مفتعله تجمع في طياتها كل الكوارث والمخاطر عنيت بها التفجيرات التي يقوم بها العدو الإسرائيلي على مدار الساعة في جنوب لبنان. ففي سياق حرب أحادية الطرف، إن التفجيرات المتكررة فوق الأرض وتحتها تأتي ضمن نمط واسع وممنهج يستهدف السكان ومقومات بقائهم وهي تعتبر أداة من أدوات الإبادة الجماعية. ويتجلى ذلك في استهداف وتدمير المساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات والمساكن والبنية التحتية من طرق ومنشآت كهرباء ومياه واتصالات ما يهدد الحياة والخدمات والتماسك الاجتماعي”.
ولفت الى ان “هذه الاعتداءات لا تستهدف الإنسان وممتلكاته وبنية الدولة ومؤسساتها فحسب، بل تطال أيضًا الإرث الثقافي والمباني التراثية التي تختزن ذاكرة المكان وهوية أهله وتاريخ وحضارة مجتمع، فتدميرها ليس تدميرًا للحجر وحده، بل محوٌ لجزء من التاريخ والذاكرة الجماعية، واعتداءٌ على حق الناس في أرضهم وهويتهم وموروثهم الثقافي”.
وختم:”كما تؤثر التفجيرات في التربة وخصائصها، فتسبب تشققات وفراغات وهبوطًا وتغيرًا في قدرتها على التحمل وتخزين المياه او صرفها، بما يهدد أساسات المباني واستقرار المنشآت وصلاحية التأسيس عليها من عدمه. كما تؤدي الحرائق والدخان والانبعاثات والأنقاض والغبار والملوثات إلى تدهور الهواء، وقد تلوث المياه السطحية والجوفية والتربة، بما ينعكس على الصحة والزراعة وسلامة الغذاء”.
ثم تحدث الحديثي وقال:”لا نتحدث عن الكيان الصهيوني ومن وراءه نحن العرب لو كنا متماسكين او متفاهمين وغير مخترقين من هنا او هناك لما حصل او يحصل في لبنان وفلسطين وفي مناطق كثيرة من الوطن العربي. يشرفني باسم اتحاد المهندسين العرب بكلمة افتتاح هذه الندوة التي تنعقد بظروف بالغة الحساسية يمر بها لبنان الشقيق، تتناول موضوع يمس صميم مسؤوليتنا المهنية انعكاسات الحرب واعمال التفجير على السلامة العامة”، مشيرا الى ان “اتحاد المهندسين العرب، بوصفه المظلة الجامعة للمهندسين في الوطن العربي، لم يكن يوما بمعزل عما يعانيه أي قطر عربي من أزمات، وهو يتابع بقلق بالغ ما يتعرض له لبنان من اعتداءات تطال البنى التحتية والبيئة طبقات الأرض ومصادر المياه والهواء الذي يتنفسه الانسان، وهذه الابعاد لا يمكن ان يقاربها الا أصحاب الاختصاص من المهندسين”.
اما نقيب المهندسين في بيروت المهندس فادي حنا فاشار الى أن “نقابة المهندسين هي منبر وطني جامع، بعيد من الاصطفافات السياسية والانقسامات”، مشددا على “ضرورة تغليب الحس الإنساني في مقاربة القضايا التي تمس اللبنانيين جميعا”، واعلن انه “استهل يومه بالمشاركة في تقديم واجب العزاء باستشهاد تسعة أشخاص، هم أبناء عائلة صديقة لأمينة سر لجنة مزاولة مهنة الهندسة، قبل أن يعود إلى مكتبه ويشارك في هذا المؤتمر ويرى الوثائقي المتعلق بتدمير القرى الجنوبية”، مشيرا إلى أن “أجواء الحزن التي رافقت هذا اليوم دفعته إلى التأكيد على ضرورة العمل من أجل تعزيز الشعور الإنساني لدى الجميع”.
أضاف:”المؤسف أن نرى صورة بهذا الشكل، فيما هناك أناس لا يعنينهم ما يحصل في منطقة معينة من لبنان لأنها بعيدة عنهم ويتابعون حياتهم كالمعتاد”، وشدد على أن “المطلوب اليوم هو أن نفكر كيف ننجح، لا كيف نفكر بأنفسنا”، داعياً إلى “عدم تحويل الخلافات إلى صراعات تتجاوز حدودها، وإلى التمسك بالقيم الإنسانية والوطنية التي تجمع اللبنانيين”.
وأشار إلى “أن لبنان دفع ثمنا باهظا من دماء أبنائه”، مشيرا الى “حجم الخسائر والأثمان التي دفعها اللبنانيون”، مؤكدا ان “بقاء اللبنانيين في وطنهم هي مسألة الاخلاق والعائلة”، محذرا من ان “الوحدة الوطنية في لبنان باتت مهددة نتيجة بعض مظاهر الانقسام””، لافتا الى ان “ما يجري في الجنوب يطال اللبنانيين جميعا”، مؤكداً أن “الخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى خلاف على الوطن أو إلى سبب إضافي للانقسام بين أبناء البلد الواحد”.
وفي ما يتعلق بعمل مجلس نقابة المهندسين، دعا حنا إلى “إبقاء الخلافات داخل المجلس في إطارها الطبيعي”، وقال:”اتفقنا في مجلس النقابة أن خلافاتنا يجب أن تبقى خارج مجلس النقابة، بدل التركيز على القسم الفارغ، نعمل على القسم الملآن”، وأكد أنه “لا يطرح موقفا سياسيا مع أو ضد أي طرف”، مشددا على أن “الشعب في الجنوب سيسبقنا إلى العمران لأنه يعشق الأرض ويحبها”، مشيرا إلى أن “الحرب ستنتهي عاجلا ام آجلا”.
ثم تحدثت جابر واكدت أن “الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولا سيما على الجنوب، لا تزال مستمرة، مخلفةً المزيد من الضحايا والدمار في القرى والبلدات والبنى التحتية والموارد الطبيعية”، ونقلت اعتذار الوزيرة الزين عن “عدم تمكنها من المشاركة شخصياً في الندوة، بسبب مشاركتها في جلسات مجلس الوزراء المخصصة لمناقشة الموازنة العامة”، مشيرةً إلى أنها “كلفتها تمثيلها ونقل تحياتها وتمنياتها بنجاح اللقاء”، وإلى أن “لبنان لا يتعامل مع حرب انتهت وأصبح ممكناً إقفال حصيلتها، بل مع عدوان مستمر تتراكم آثاره البشرية والمادية والبيئية يومياً”، لافتةً إلى أن “ما تم توثيقه حتى الآن لا يشكل سوى صورة مرحلية لضرر لا يزال يتفاقم”.
وأكدت أن “انعكاسات الحرب على السلامة العامة لا تقتصر على لحظة القصف أو الانفجار أو حجم الدمار الظاهر في المباني والمنشآت”، واوضحت أن “آثار الانفجارات قد تستمر لسنوات في التربة والمياه والهواء والغابات والأراضي الزراعية والركام ومخلّفات الحرب، بما ينعكس على صحة الإنسان وغذائه ومصدر رزقه وقدرته على العودة والصمود”، ولفتت إلى أن “العدوان الإسرائيلي الحالي والعدوان السابق شهدا، إلى جانب المجازر بحق المدنيين، إبادة سكنية تمثلت بتدمير وتضرر أكثر من 239 ألف وحدة سكنية خلال عدوان 2024، أضيف إليها نحو 90 ألف وحدة سكنية في العدوان الراهن حتى نهاية آذار المنصرم، فضلاً عن الدمار الذي طال قرى الجنوب وأحياءه وبناه التحتية ومعالمه التاريخية ودور العبادة والمواقع ذات القيمة التراثية”.
كما أشارت إلى أن “الأضرار لم تقتصر على القطاع السكني والعمراني، بل شملت الغابات والأحراج والأراضي الزراعية والتربة والموارد المائية وجودة الهواء والأنظمة الطبيعية”، معتبرةً أن “الضرر البيئي لا يتوقف عند حدود المكان أو اللحظة”.
وأوضحت أن “تضرر الأراضي الزراعية قد يؤدي إلى فقدان مصدر رزق عائلة لسنوات، فيما يمكن أن ينعكس تضرر التربة على سلامة الإنتاج الغذائي، وأن أي تأثير على المياه أو الهواء يتحول مباشرة إلى قضية صحة عامة”، ولفتت إلى أن “تدمير الغطاء النباتي والغابات يؤثر في التنوع البيولوجي واستقرار التربة ودورة المياه، ويزيد هشاشة المناطق أمام الحرائق والتغير المناخي”.
وأفادت أن “المعطيات العلمية المستندة إلى بيانات المركز الوطني للجيوفيزياء التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية، والممثل في الندوة بالدكتورة مارلين براكس، أظهرت أن الأضرار طالت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، كما أظهرت التحاليل وجود بؤر في بعض المواقع تستوجب المتابعة والرصد والمعالجة، إضافة إلى تأثيرات مرتبطة بالدخان والغبار والانبعاثات الناتجة عن القصف والحرائق على نوعية الهواء”.
وشددت على “أهمية اعتماد العلم في تقييم الأضرار والمخاطر، وعلى ضرورة عدم التقليل من المخاطر أو المبالغة فيها من دون أدلة علمية”، معتبرةً أن “بعض المبالغات، وإن انطلقت من الحرص، قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد، وقد تخدم سرديات العدو الهادفة إلى الإضرار بمختلف أوجه الحياة، ولا سيما الاقتصادية منها”.
وأكدت أن “ليس كل موقع تعرض للقصف ملوثاً بالضرورة، كما لا يجوز اعتباره آمناً من دون فحص عندما تكون هناك مؤشرات تستدعي ذلك”، وحذرت من “أن المعلومة غير الدقيقة قد تثير الخوف بين السكان، وتمنع مزارعاً من العودة إلى أرضه، أو تضر بسمعة الإنتاج الزراعي لمنطقة كاملة، في حين أن تجاهل خطر مثبت علمياً قد يعرّض صحة الناس والموارد الطبيعية للخطر، مستشهدةً في هذا السياق بحالتي كسروان والصرفند”.
وشددت على أن “الرصد العلمي والتحليل المخبري والتوثيق الدقيق يجب أن تبقى أساساً لاتخاذ القرارات”، واشارت إلى أن “استمرار الاعتداءات يفرض مسارين متوازيين: مواصلة رصد وتوثيق الأضرار الجديدة، والتدخل حيث تسمح الظروف الأمنية للحد من تفاقمها وحماية الصحة العامة والموارد الطبيعية وسبل العيش”، ولفتت إلى “أهمية الإدارة الآمنة للركام ومخلّفات الحرب”، موضحةً أن “الركام ليس مجرد مواد ينبغي رفعها ونقلها، بل قد يحتوي على ملوثات ومواد خطرة، وأن التعامل العشوائي معه قد يؤدي إلى نقل التلوث من موقع إلى آخر”.
وأكدت أن “المحاور التي ناقشتها الندوة، من آثار الانفجارات وجيولوجيا التربة والمياه السطحية والجوفية، إلى الزراعة والغطاء النباتي والثروة الحيوانية والبحرية، وصولاً إلى المواد الكيميائية وجودة الهواء والصحة العامة، تؤكد أن السلامة العامة والسلامة البيئية مسار واحد”.
وقالت:” إن الهواء الذي يتنفسه المواطنون والمياه التي يشربونها والتربة التي ينتجون منها غذاءهم، كلها عناصر أساسية في السلامة العامة”، مؤكدةً أن “حماية الأنظمة البيئية تشكل حماية مباشرة للإنسان ولقدرة المجتمع على الصمود”.
وأشارت إلى “مسؤولية وطنية تتمثل في مواصلة التوثيق من أجل تثبيت حقوق لبنان ومحاسبة إسرائيل على ما ارتكبته وما تزال ترتكبه من جرائم بحق الإنسان والبيئة”، واكدت أن “حق لبنان في محاسبة إسرائيل على جرائمها البيئية، كما على سائر جرائمها في لبنان، هو حق لا يقبل الجدل، مهما اختلفت المقاربات السياسية ومهما احتدمت الخلافات حول أسباب الحرب ومآلاتها”، وشددت على أن “هذا الحق يحتاج إلى ملف علمي وقانوني متين قائم على الأدلة، من تحاليل وعينات وخرائط وصور ومعطيات موثقة، يمكن الاستناد إليها في مسارات المساءلة والمطالبة بالتعويض”، مؤكدةً أن “العلم هنا ليس مجرد وسيلة للمعرفة، بل هو خط دفاع عن الحقيقة وعن حقوق لبنان”.
وختمت بالتأكيد أن “ما تم توثيقه حتى اليوم، في ظل استمرار العدوان، ليس نهاية الملف، بل قاعدة علمية يجب تحديثها باستمرار”، وشكرت باسم وزيرة البيئة لاتحاد المهندسين العرب، واتحاد المهندسين اللبنانيين، ونقابة المهندسين في بيروت، ولجنة السلامة العامة، على “تنظيم الندوة، وللخبراء والباحثين المشاركين فيها”، آملةً أن “تساهم المناقشات في الخروج بتوصيات علمية وعملية تعزز حماية الإنسان والبيئة، وتدعم استمرار الرصد والتوثيق وتثبيت حقوق لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة”.
وفي الختام، تناول المحاضرون تداعيات الحرب واعمال التفجير من أربعة محاور علمية: الانفجارات كما رصدها المركز الوطني للجيوفيزياء، تأثير الحرب والتفجيرات على جيولوجية التربة والمياه السطحية والجوفية، الأضرار التي لحقت بالغطاء النباتي والقطاع الزراعي والثروة الحيوانية والبحرية، وانعكاساتها على سلامة الغذاء، ️ تأثير المواد الكيميائية والانبعاثات الناتجة عن الانفجارات على جودة الهواء والسلامة الصحية. ثم كانت مناقشة عامة مع المشاركين.
